الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

قطار باسترناك

رصيد الرواية أكبر من أعمارنا مضاعفة العشرات من المرات، لهذا مع مرور السنوات وضيق فسحة الزمن المتاح، قد لا نصبر على مطبّات النصوص، وإسهابها الممضّ، أو زوائدها المفتعلة.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/08/31، العدد: 10382، ص(15)]

في رواية “الدكتور جيفاغو” لبوريس باسترناك، يفسح المتن السردي حيزا كبيرا لمسار قطار البضائع الذي استقله البطل يوري، في رحلة تمثّل عالما روائيا مكتملا لتأملات ومراجعات هذه الشخصية زمن الثورة البلشفية وانتهاكاتها ومظالمها المرزئة. ويستطيع قارئ هذه الرواية التوقف عند رحلة القطار وعدم الاستمرار في القراءة، كما يمكن تقطيع القراءة مثلما يحدث في مسيرة القطار، فالرواية تشبه بمعنى ما قطار باسترناك، مقصورات مستقلة تتصل ببعضها عبر امتداد حلقي، يمكن لراكبها النزول في أول محطة، ويمكنه الاستمرار إلى محطات لاحقة، أو الاسترسال حتى نهاية المسار.

التوقف عن استكمال رواية ما ليس دليلا على رداءتها ولا صعوبتها، يمكن أن تزاحمها نصوص متراكمة على الطاولة، أو يستشرف القارئ ما قد تتضمنه الفصول التالية، وقد يتصل التوقف بحدوث الإشباع، أو لأن المتن طويل ومرعب بضخامته. التوقف عن القراءة سلوك ملازم للروايات دوما، هو جزء من قدرها، ربما لأن الحكي والإخبار والحديث عن الآخرين تقتضي التقطيع أحيانا، وترك الأمور معلقة، أو لأن زمن القراءة قد تخترقه العثرات، جملة واحدة أو مشهد أو شخصية ما قد تجعلك تطوي الكتاب لأيام وأسابيع، أو نهائيا. بيد أن فعل القراءة الناقص لا يعني في الغالب رفض رواية ما أو ازدراءها، وقد ننهض أحيانا مستعجلين من موائد فاخرة لانسداد الشهية أو لانصرام الوقت.

رصيد الرواية أكبر من أعمارنا مضاعفة العشرات من المرات، لهذا مع مرور السنوات وضيق فسحة الزمن المتاح، قد لا نصبر على مطبّات النصوص، وإسهابها الممضّ، أو زوائدها المفتعلة. هنّات بسيطة قد تذهب بنَفَس القراءة، والروايات التي تعاكس القراءة وتجهدها ليست بالضرورة مرشحة للركون على الرف، قد تتحول إلى درس في تجربة قراءة بالتقسيط، أو القراءة بالمناوبة، أو القراءة بالشهوة، بيد أنها تستمر في الرحلة؛ أستعيد هنا قراءتي لرواية “المحاكمة” لفرانز كافكا، التي لم تستكمل إلا بعد العشرات من المحاولات، وهي النص القصير نسبيا مقارنة برواية “أعمدة الحكمة السبعة” لإدوارد لورنس التي تمتد في المئات من الصفحات، وقد قرأتها لأول مرة دون توقف خلال أسبوع، ثمة شيء لا يفسر في تحمل الروايات ونبذها، نحتاج في النهاية لزمن حساس.

قبل موته بقليل لم يعد أندري مالرو ينهي قراءة الروايات التي يقتنيها، صار يكتفي بفصول أو صفحات من نصوص قرأها وأخرى لم يطلع عليها بعد، لينتقل إلى بدايات مختلفة، فالنهايات تستبعد النهايات.. وفي الإبداع الروائي كما في المتاحف، يمكن أن نتوقف لساعات عند لوحة ما، ثم قد نمر سريعا على الباقي، ويمكن أن نغادر صالة العرض دون رجعة، مثلما غادر “يوري” قطار البضائع في رواية “باستيرناك”.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر