السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

حضرة الرقيب المنتج السينمائي

دفعت تجربة القطاع العام في العراق السينمائيين العراقيين القادرين المؤهلين إلى الهجرة والتشرد في أوروبا لعجزهم عن العمل في البيئة الطبيعية التي ينتمون إليها.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/31، العدد: 10382، ص(16)]

كنت دائما ممن يرون أن الإنتاج الحر للأفلام السينمائية، والتنافس بين شركات إنتاج تنتمي إلى السينمائيين و”أهل الصنعة”، أفضل كثيرا من احتكار الدولة في العالم العربي للإنتاج السينمائي، من واقع تجربة “القطاع العام السينمائي” التي بدأتها مصر في الستينات، وتبنتها سوريا والجزائر والعراق، تحت سلطة الحزب الأوحد والحاكم الأوحد.

كنت أول من خلص إلى هذه الفكرة مبكرا في عام 1981، أي عندما كان الجميع يسبّحون بحمد القطاع العام في السينما، ويستنكرون قيام الدولة المصرية بتصفية مؤسسة السينما الحكومية، بدعوى أن السينما الفنية خارج “القطاع العام” ستموت، ويغلب الطابع التجاري، وكلها مبالغات تنطلق أساسا من موقف سياسي كان يعارض سياسات الرئيس السادات وتوجهاته، ولم تكن خالصة لوجه السينما.

وقد قمت بدراسة تجربة القطاع العام السينمائي في مصر حتى تصفية مؤسسة السينما عام 1971، وقدمت خلاصة هذه الدراسة في ندوة بجمعية نقاد السينما المصريين عام 1982، وكانت تخلص إلى أن من الأفضل كثيرا للسينمائيين وصناع الأفلام، تحرير السينما من المنتج-الرقيب، أي من الدولة التي تتحكم في إنتاج الأفلام طبقا لسياستها العامة، وحجب الأفلام التي تخدش صورة السلطة، بل وكثيرا ما كانت الدولة تفرض على السينمائيين موضوعات معينة، وتسبب الصراع بين الرقيب-المنتج، أي السلطة، والسينمائيين، في دفع مخرج مثل توفيق صالح إلى حافة اليأس والخروج من مصر إلى سوريا ثم العراق، حيث واجه مشاكل من نوع آخر، كما دفعت يوسف شاهين إلى الهرب إلى لبنان قبل أن يعود ويدخل في صدامات جديدة مع وزير الثقافة يوسف السباعي بعد منع فيلمه “العصفور”.

تضمنت الدراسة قائمة بكل ما أنتج من أفلام روائية طويلة من خلال مؤسسة السينما وكانت 137 فيلما، منها 17 فيلما فقط هي التي ظلت حتى اليوم، حجة عشاق “القطاع العام” الذين يلحون على ضرورة تدخل الدولة في الإنتاج، في حين يمكن وضع قائمة من مئة فيلم سواء، قبل وبعد القطاع العام، تضارع، بل تتفوق على الـ17 فيلما “الخالدة”!

عندما لا يكون الرقيب هو المنتج يمكن للمنتج أن يدخل في نقاش وصراع ومساومات مع الرقيب، تؤدي عادة إلى الحصول على بعض التنازلات، أما عندما يكون المنتج هو الرقيب، فلا توجد فرصة للمناورة.

وينكر كثيرون أن يكون عبدالناصر قد مارس الرقابة، ويسردون قصصا حول تدخله المباشر والسماح بعرض أفلام كانت تنتقد نظامه مثل “ثرثرة فوق النيل” و”شيء من الخوف”، غافلين عن أن هذا التدخل المباشر من أعلى رأس في السلطة هو أكبر دليل على فساد المنظومة كلها، أي خضوع السينما للدولة التي تملك المنع أو السماح.

دفعت تجربة القطاع العام في العراق السينمائيين العراقيين القادرين المؤهلين إلى الهجرة والتشرد في أوروبا لعجزهم عن العمل في البيئة الطبيعية التي ينتمون إليها، وأصبح السينمائيون السوريون، يعملون حسب مزاج القائمين على مؤسسة السينما، الذين يتبعون سياسة العصا والجزرة، وإذا سمحوا بإنتاج أفلام “مستقلة” في طموحاتها وأفكارها تحت شعار “دعه يعمل دعه يمر”، سرعان ما يمنعونها من العرض أو توضع “على الرف”.

وفي الجزائر فشلت مؤسسة السينما الحكومية في تجاوز “أفلام النضال ضد الاستعمار الفرنسي”، وغض الطرف عن فساد السلطة “الوطنية” في مجتمع ما بعد التحرير.

وقد أدى تراكم هذا النوع من المشاكل إلى هجرة الكثير من السينمائيين إلى الخارج، وأصبح من يريد أن يصنع فيلمه يتعين عليه الحصول على تمويل أجنبي، غالبا من فرنسا، كشرط أساسي للحصول على تمويل جزئي محدود من الداخل الجزائري، والأمر كذلك في المغرب، ورغم أن وزارة الثقافة العراقية أصبحت المسؤولة حاليا عن تمويل الأفلام التي تصور داخل العراق، إلاّ أن معظم السينمائيين العراقيين يشتكون من خضوع التمويل لتوجهات طائفية، أو سياسية، وهي مشكلة أخرى برزت نتيجة هيمنة الدولة على الإنتاج.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر