الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

من الرومانسية إلى الحكمة

حكمة يطرحها شاعر رومانسي من القرن الثامن عشر.. تجعلني أُحسّ كأنه يتحدث عن لساني اليوم بصفتي عراقية هجرت وطنها وتقاسمت الأوطان غربتها.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/08/31، العدد: 10382، ص(21)]

"يرى المتفائل ضوءاً لا وجود له.. بينما المتشائم يرى الضوء ولا يصدقه".. لورد بايرن..

نحتاج أحياناً أن نعيد قراءة ما كنـّا قرأناه وحفظناه في مراحل مبكرة من حياتنا على الرغم من أن العالم من حولنا ممتلئ بالدهشة وبالجديد الوافر كل يوم.. إذ أن لإعادة القراءة فضيلة اكتشاف المزيد ورؤية أوجه أخرى للأشياء.. ناهيك عن أنها تمنحنا فرصة إعادة النظر وإعادة ترتيب الأفكار والمفاهيم.. ولعل ذلك هو أهم طريق لتشذيب النفس والحواس والمعتقدات.. لأن الثوابت تحتمل الجدل دائما ووجودها وتكريسها قد يجعلان من واحدنا إنساناً ذا بعد واحد بحسب ماركوز..

أقول هذا وقد استوقفتني كلمات للشاعر الإنكليزي اللورد بايرن (جورج غوردن بايرن 1788-1824).. استهل بها كتابه الأشهر “أسفار تشايلد هارولد” مستشهدا بعبارات من الكوزموبوليت.. مفادها: “هذا الكون سِفـْر.. ومن لم يبرح وطنه لا يمكن أن يكون قد قرأ من سِفر الكون سوى صفحته الأولى.. أما أنا فقد تصفحت منه الكثير الكثير فوجدته تافها رديئاً.. لكن هذه القراءة لم تكن بلا جدوى.. لأنني في وقت ما كنت قد كرهت وطني فهجرته.. بيد أن ما عانيته من عذاب في الأوطان الأخرى التي عشت في كنفها هداني من جديد إلى محبة وطني.. فإذا لم أكن قد جنيت من أسفاري سوى هذه الفضيلة فذلك وحده يكفي ليجعلني غير آسف على ما حملتني إياه تلك الأسفار من متاعب ونفقات..”.

حكمة يطرحها شاعر رومانسي من القرن الثامن عشر.. تجعلني أحسّ كأنه يتحدث عن لساني اليوم بصفتي عراقية هجرت وطنها وتقاسمت الأوطان غربتها.. شاعر فذ.. عاش حياة قصيرة لكنها كانت ثرّة غنية بالمغامرات والأسفار.. صاخبة ملأى بالمجون والاضطرابات العاطفية.. وارفة الظلال بالشعر والإبداع والثورة.. استطاع عبرها أن يضع بصماته الحقيقية التي لا تمحى من ذاكرة التاريخ حتى غدا بشعره وسيرة حياته نبراسا لأجيال من الشباب بعده مسجلاً براءة الريادة لحركة الرومانسيين في العالم..

وعودا على فكرة إعادة القراءة.. فمثلما تمنحنا حكمة المتنبي معينا لا نفاد له مازال يصلح حتى لعصر التكنولوجيا فقد أحالتني إعادتي لقراءة لورد بايرن (شاعري الحبيب منذ أيام الجامعة) إلى أن ألمس فيه ما لمست عند متنبينا من حكمة.. فوجدتها مازالت نابضة صالحة حتى يومنا هذا.. ربما كان إحساسي هذا أقرب للدهشة منه إلى المفاجأة لأنني لم أكن أجد في هذا الشاعر حين كنت أتلمض قصائده سوى الرومانس الغارق في الحزن والأسى.. مستبعدة لسبب أو لآخر تفصيلة الحكمة التي ترفل بها حروفه التي عكست تجاربه الحياتية التي لم تكن لتشبه حياة مجايليه..

وبرغم احتفاظي بوافر من رومانسيات أيام الجامعة.. تستوقفني عبارات الحكمة اليوم وأنا أحاول ارتداء تاجها وتجعلني أقرأ هذا الشاعر بعيون أخرى وقلب نابض جديد.. فهل إن للعمر ظلاله على وجهات نظرنا واكتشافنا للأشياء؟.. وأنى لي أن أقرأ حكمته وأنا أُرجئ بكائيات العاطفة؟.. هل كبرت بما يكفي لأقرأ شاعري بشكل مختلف إلى هذا الحد؟

ضحكت وأنا أقع على هذه الحقيقة مستعيرة حكمته التي تقول: “اضحك كلما تسنى لك ذلك.. فالضحك أرخص دواء..!”

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر