الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

نورس إسطنبول

وأنا في عزّ الأجواء الخرافية بُعيد غروب الشمس حط إلى جانبي وقوفا على سياج الشرفة طائر نورس ضخم ورائع الجمال، حبست أنفاسي خوفا من أن أخيفه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/02، العدد: 10384، ص(17)]

أيام قليلة في إسطنبول الجميلة بأزقتها وهندستها المحافظة بعصرية لافتة على عراقتها التاريخية، توازي بضعة دقائق من ليلة واحدة على شرفة مُطلّة برفقة نورس أحببت أن أطلق عليه اسم “بول” نسبة إلى الفنان البلجيكي بول ديلفو.

فقد اشتهرت لوحات ديلفو بتصويره السوريالي والرمزي لمحطات القطار وللسكك الحديدية وللجسور وأماكن العبور ما بين ضفاف الواقع والخيال في أجواء ليلية سحرية، تعتلي عروشها نساء بيضاوات بلون الكلس وبوحشة ضياء القمر، نساء في عزّ لحظات الترقب أو في أوج التخلّي عن فكرة تدفق الزمن وديمومة المكان على السواء.

إسطنبول من أعلى هذه الشرفة وقبيل الغروب حتى دخول الليل إليها هي مدينة مختلفة عن تلك التي تتجول في أرجائها خلال النهار، ليست متناقضة معها، ولكنها وجه آخر لها، وجه ساحر بمآذنها التي تتصل بالسماء وبسفنها المغادرة والقادمة، وجسورها البحرية التي باتت ثلاثة منذ أيام قليلة والتي تمتد، حكما، ذهابا وإيابا من آسيا إلى أوروبا.

كنت في تلك الليلة الفريدة على الشرفة الضيقة والمُزخرفة بأشكال هندسية بديعة أتأمل جسر البوسفور الذي جرى على تسميته لاحقا، بجسر شهداء 15 يوليو، وقد أضيء بقناديل حمراء اخترقت زرقة الجوّ المحيط دون أن تبدل من عمقها المسيطر على المشهد.

خيّل إليّ بسذاجة أن فكرة “السلام الإنساني” فكرة مُمكنة التحقيق، وأن الحب ينتصر دائما، وأن لقاء القارات والدول والأفراد هو بشاعرية هذا اللقاء الذي يمتد أمامي والذي يشرف على سفن تمضي، ببطء لا يخلو من الحزن على صفحة الماء المتموج، مُطلقة صيحاتها الخاصة بإعلان المغادرة أو القدوم.

فكرت لحظتها أنني أيضا كائن “مؤقت” من ضمن المنظومة الإسطنبولية الليلية، لأنني كنت في فندق يستقبل ويودع غرباء، ولأنني كنت عائدة في الصباح التالي إلى بيروت، ولن أكون على هذه الشرفة أتأمل كل عابر أمامي وكل ناقل لعبور ما.

بطبيعة الحال لم تقف تخيلاتي عند هذه الحدود، إذ تذكرت وأنا أنظر في البحر الليلي المُشبع بالزرقة الداكنة كيف رأيت للحظة خاطفة بضعة أسماك كبيرة وسوداء تقفز من البحر لتعود إليه خلال رحلتي النهارية على متن باخرة سياحية.

أخبرني قبطان الجولة البحرية أنها دلافين، ولكن ما إن ذكر لي أنهم يسمونها “يونس” حتى وددت مغالطته وهو العالم بشؤون البحر، والقول إن ما رأيته ليس دلافين، بل هو خيال لحيتان تحتضن في بطونها أنوارا ورحمة.

ثم من على الشرفة المُطلة على مشهد مُشبع بالشعرية رأيت من بعيد جزيرة غائمة، وفكرت بأنها ربما تكون إحدى “جزر الأميرات”، ثم وددت لو تكون جزيرة “أقدمار” التي يستحيل أن أراها من حيث أقف، لأنها واقعيا تقع في بحيرة “وان” شرق الأناضول.

وهي جزيرة لها أسطورة مؤثرة خلدت في منحوتة فنية تُمثل الأميرة تمارا وهي ترفع في يديها إلى ما فوق رأسها منارة صغيرة، لكي يستدل بها حبيبها كل ليلة فيعبر البحر وصولا إليها.

وأنا في عزّ الأجواء الخرافية بُعيد غروب الشمس حط إلى جانبي وقوفا على سياج الشرفة طائر نورس ضخم ورائع الجمال، حبست أنفاسي خوفا من أن أخيفه، وصار قلبي يدق بسرعة كبيرة لشدة الفرح والذهول، إذ رأيته ينظر إليّ بطرف عينه ويطلق صوته البديع وكأنه يكلمني.

يكلمني، لا أدري، ربما يشتمني لأنني بالغت في تخيلاتي، ولكنه لم يتحرك، ثم فرد جناحيه للحظات لأشعر برطوبة البحر تلفحني، ووجدتني أعاند ضحكة كبيرة تريد أن تخرج من أعماقي، لكن ما لبث “بول” أن غادر الشرفة ثم اختفى.

“هو أيضا مؤقّت”، مؤقّت كمثل المؤقّت في كل لوحات بول ديلفو، قد لا أشبه نسوة الفنان في برودة بشرتهن الكلسيّة، ولكنني حتما أشبههن في وقفتي على تلك الشرفة وفي ثوبي الأبيض إلى جانب نورس عاشق يشّع ولها وخفة في الآن ذاته.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر