الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

عبدالعزيز الموسوي: من الظلم اعتبار كل مبدع مثقفا

  • لا يزال المشهد السردي البحريني قادرا على استنبات قضايا جديدة للكتابة المدهشة، فهو يعيش حراكا دائما وتشهد منصاته العديد من الفعاليات المتنوّعة. ولقد كان لانعكاس ظلال الربيع العربي أثره البارز في المشهد. “العرب” توقفت مع القاص والروائي البحريني عبدالعزيز الموسوي للحديث عن تجربته الروائية والبعض من القضايا الثقافية في البحرين.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/09/02، العدد: 10384، ص(15)]

العزلة لا تقود إلا إلى عزلة أكبر

منذ مطلع 2008 والقاص البحريني عبدالعزيز الموسوي (مواليد 1977) مشغول بمنجزه الأدبي، فبعد أن أصدر مجموعته القصصية الأولى “أرواح قابلة للاشتعال” لم يتوقف عن الكتابة إلا بداعي التأمل والاستكشاف لاشتغال جديد.فما إن أخذت مجموعته الأولى طريقها إلى القراء حتى دفع بمجموعته الثانية “طلقات” إلى النشر في 2010، ثم تبعتها روايته الأولى “القبّار الأعوج” (2012)، ثم روايته الثانية “قلبي في رقبتك” (2014)، ويعمل حاليا على إصدار جديد سيحمل عنوان “كرتواكو”، والذي أصرّ الموسوي على أن يكون مبهما في تفاصيله واشتغاله، فهو لم يخبرنا إن كان روائيا أو قصصيا أو حتى عملا مفاهيميا مفتوحا، فقط أخبرنا بأنه “يتمنى أن يليق بالانتظار”.

قلبي في رقبتك

انتقل عبدالعزيز الموسوي مؤخرا من منصة القصة القصيرة إلى منطقة غواية جديدة تمثّلت في الرواية، فقدّم للقارئ روايتين خلال الأعوام القليلة الماضية، لكنه بقي ابنا بارا للسرد بمعزل عن تصنيفه وقولبته. وعن ذلك يحدّثنا ضيفنا الموسوي قائلا “في الرواية هناك حتما فضاءات مختلفة ولذة مغايرة، لكنها أبدا ليست أفضل أو أقل من القصة.الاتجاه لكتابة الرواية لا يعدو كونه تجربة وشكلا يمكن الركون إليهما حين تكون مساحة وتقنيات القصة غير كافية. في الختام، إنك تخلص للقصة أكثر من الفيلم ومن المسرح ومن الرواية. القصة هي كل ما تملك لتتخذ الشكل والتجنيس الذي تريده. ستظل منصة السرد هي الأساس الذي أنطلق منه مهما اختلف الجنس الأدبي وتنوّع بين الرواية والقصة أو القصة القصيرة جدا”.

تناول الموسوي في روايته الأخيرة “قلبي في رقبتك” علاقة حب جارفة امتدت على مدى 15 عاما لتنتهي في زمن الربيع البحريني باستشهاد البطل وبانهيار البطلة. وفي سؤال لضيفنا عن تناول الحب في قالب ثوري، أم تناول الثورة من خلال قصة حب، يجيب الموسوي “تناولت في العمل الأخير ‘الحب’ كثيمة وكقضية لها حيثياتها الاجتماعية. لا يمكنني أن أقولب هذا التناول في قالب ثوري لأنه حب فاقد للأمل -على الأرجح- ورغم ذلك يظل مسالما ومنقادا إلى أقداره، ويتضح ذلك من الستار الذي يعيش خلفه هذا الحب على مدى سنوات، وبدأ يستريح لهذا النمط الممكن، في ظل استحالة الارتباط بسبب المرض الوراثي، لكن هو الزمن الذي جرى فيه هذا ‘الحب’ أقحمه كغيره في صراع وأحداث موجة الربيع العربي الذي لا يزال يتموضع بشكل مختلف من بلد إلى آخر، وترك أثره على الفرد وأدخله في حسابات مختلفة وملتبسة في الكثير من الأحيان. أتحدث عن الفرد العادي حين يجد نفسه ملزما باتخاذ موقف ما”.
المثقف على كاهله حمل ثقيل وعليه أن يكون محايدا ومزعجا ونباشا وصاحب رؤية ومبدأ، والأهم هو الموقف

وبعد أحداث 14 فبراير 2011، تشتت جمع أسرة الأدباء والكتّاب البحرينيين، وتعرّضت لاستقالات جماعية من قبل أعضائها، وما عادت البيت الأليف الذي كان الأدباء البحرينيون يسكنونه لعقود. لكنه عاد مؤخرا بدماء جديدة، الأمر الذي فتح شهية النقاش مع الموسوي حول مدى رغبة المثقفين البحرينيين في العودة إلى أسرة تلملم شتات الشعراء والأدباء، وهل مازال عضوا في الأسرة؟يعلّق الموسوي بألم لا يخفيه في هذا الشأن قائلا “أسرة الأدباء كيان عريق، ولها إسهامات لا يمكن تجاوزها، كما لها إخفاقات أيضا في مراحل من عمرها المديد، هذا أمر طبيعي جدا في مؤسسة استمرت كل هذا الزمن وخاضت صعوبات كثيرة. كنا نعتز بالانتماء إلى هذا الكيان الذي كانت الكلمة الإبداعية هي ما يصنفك فيه، لا مذهبك ولا نوعية جنسك. ليس شيئا لا مرئيا ما حدث للأسرة، ويجب أن تكون العودة إلى الأسرة أيضا شيئا مرئيا وظاهرا. وفي النهاية، الصواب أن نتجاوز، الصواب أن نعود ونجتمع في كيان واحد، الصواب والعقل يحثّان على ردم الفجوات وحل الخلافات وكسر شوكة الشيطان التي ينخس بها كل ناعق من أجل تعميق الفرقة وتأجيج الصراعات. الصواب أن نعالج الخطأ أولا، وإن كنا غير قادرين على علاجه فيجب أن نعترف بوجوده”.

ويتابع الموسوي في ذات الشأن “كنت من المعارضين للاستقالة من هذا الكيان، ولدي مراسلات مع رئيس الأسرة وقتذاك. كنت أطلب وأحث على عقد اجتماع والنظر في كل الإشكالات التي ساقها من تقدم باستقالته، وحين فقدت الأمل في هذه الخطوة تقدمت بالاستقالة بناء على عدم تجاوب الإدارة وقتها وإلى الآن”.

قطيعة المثقفين

قادنا الحديث عن الأسرة إلى القطيعة الثقافية التي حصلت بعد أحداث البحرين بين المثقفين، وسألنا الموسوي عن رأيه في تحييد الثقافي عن السياسي؟ يقول الكاتب “قبل أن أعطي رأيا في ما تسميه قطيعة ثقافية بين مثقفي البحرين وإن كنت أرى أن هناك ضرورة لفصل الثقافي عن السياسي؟ دعني أتساءل لأني تعبت من الإجابات، من هو المثقف؟ لأننا نعتبر كل من كتب في شأن ما، هو مثقف. ما أراه أنه من الظلم وسم كل مبدع بالمثقف، فالمثقف على كاهله حمل ثقيل وعليه أن يكون محايدا ومزعجا ونبّاشا وصاحب رؤية ومبدأ والأهم هو الموقف، هل على المبدع أن يكون مثقفا -حتما- ليس بالضرورة”.

في الرواية فضاءات مختلفة وواسعة ولذة مغايرة

ويتابع “هذا مثال واحد لكنه حقيقي جدا ويمثل شريحة كبيرة -ذكورا وإناثا- في معترك الحدث وعنفوان الشباب. ما الفارق إذن بين أن يعطي المبدع رأيا في أمر ما إن كان ذلك متاحا لرجل الشارع العادي؟ المثقف لا يعطي رأيا فقط، بل يصنعه وثمة فوارق في المهام والأعباء، ويبدو تصنيف ‘مبدع” أكثر راحة وموضوعية من ‘المثقف’. وعودة للسؤال هل هناك قطيعة بين المثقفين؟ نعم، ثمّة قطيعة لكنها بحجم عدد المثقفين فحسب، القطيعة الأكبر هي في الصفوف الخلفية، في المحسوبين والمدسوسين عنوة في هذا التصنيف، علينا ألا نخلط كل الكتّاب بهذا التعريف؛ المثقف”.

ويضيف الموسوي “في ما يتعلق بفصل الثقافي عن الديني، منذ أن بدأنا مشروع المتكأ كانت مسألة فصل الديني والسياسي عن الخطاب الثقافي هي غايتنا، ليس من باب الفصل لمجرد الفصل بل لأن الخطاب الثقافي كان صوتا ضعيفا، ويفتقد خصوصيته مع وجود الخطابات الطاغية والتي لا تزال طاغية، أنا مع الفصل من أجل التركيز والتوجه والعمل في الثقافي دون أن يتطلب ذلك تنازلا ما في مواقفك السياسية أو اتجاهاتك الدينية”.

ليست لدى ضيفنا الموسوي إحصاءات دقيقة عن حجم تواصل المثقف البحريني مع المثقف الخليجي من أجل العمل سويا على مشاريع ثقافية، وما يراه أن المثقف البحريني لم يمكّن من هذا التقارب بشكل كاف. يقول الموسوي “هناك تعالق في التجربة بلا شك -مع فارق الكم والكيف- وحفظ التفاوت الكبير في مقدار العطاء القائم على الإمكانية. كل تواصل هو إيجابي، وهذا ما أعتقده، العزلة لا تقود إلا إلى عزلة أكبر وتقوقع أكثر في دوائر مغلقة تظل قاصرة مهما بلغ حجمها”.

ويتساءل الموسوي معنا أثناء الحوار عن واقع المشهد الجديد للسرد الروائي وللقصة القصيرة في البحرين قائلا “ماذا تعتقد في مشهد السرد الجديد في البحرين، إن كنا إلى الآن بلا كيان مختص في السرد؟ ماذا تعتقد في المشهد السردي إذا كان الكتاب على المشاريع السردية لا يتجاوزون أصابع اليد؟ لا يمكننا اعتبار كل من طبع كتابا بأنه صاحب مشروع سردي، خاصة إذا قرأت هذا الكم الذي لا يعوّل عليه، وإن كان هناك ما هو جيد ولم يستمر فلا يعوّل عليه أيضا”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر