الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

طقوس العنف المدرسي

سنوات ست قضيتها في المدرسة على هذا المنوال، بين كاره للصف، و محبّ له، دون أن تسري عليّ طقوس العنف المدرسي التي كانت تتم أمامي على تلاميذ المدرسة القرويين.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/09/04، العدد: 10386، ص(13)]

تخطيط: فادي يازجي

لم تفلح كل محاولات والدي الودية على حملي على دخول المدرسة، وأمي، مديرة المدرسة المختلطة، رفضت بعد يوم واحد من دخول المدرسة التي تديرها أن أكون تلميذاً فيها بسبب ما أنطوي عليه من عدوانية وشراسة وفوضوية غير قادرة على تحملها أمام المعلمات والتلاميذ. يجد والدي بداً من أن يقودني من يدي عنوة إلى مدرسة البنين وكان والدي صديقاً لمدير المدرسة ومعلميها، ويكنّون له كل احترام و تقدير.

دخلت الصف بصدريتي السوداء صاغراً كذئب مأسور في قفص حديدي. والمعلم الشركسي الأشقر "برجس" يتمتم مع والدي مبتسماً، غاب والدي وأغلق المعلم باب الصف وراح يعلمنا. لم أنتبه إليه، وبقائي في المقعد دون حركة ضرب من المستحيل.

تقدم برجس مني ولطمني على خدّي، في لحظة كدت أفقد وعيي، ورحت أصرخ في وجهه، وأشتمه، وأنا أجهش بالبكاء محاولاً الخروج من الصف، وقف المعلم مندهشاً أمام مشهد ربما لم يألفه خلال سنيّ تعليمه، فها هو يسمع تلميذاً وهو يشتم أمه وأباه ويستخدم جمل الشتائم المعهودة آنذاك، كنت أريد الخروج من الصف بأيّ وسيلة لأكمل المعركة بالحجارة، وعندما رآني بهذا الهياج والعصبية وفي حالة هي أشبه بالاختناق ودموعي على أشدها، فتح باب الصف وانتحى جانباً، والتلاميذ ينظرون بصمت إلى المشهد.

وخرجت، وما هي إلا دقائق حتى كانت الحجارة تنهال على باب الصف وشبابيكه، ويبدو أن المدير قد بعث أحد التلاميذ إلى الإعدادية المجاورة حيث يدرّس والدي، كي يعالج الحال، رأيت والدي يتقدم إليّ بهدوئه الشديد، أخذني بين أحضانه وراح يقبلني، ويواسيني، وأنا أصرخ باكياً "ضربني، ضربني"، وهو يمسح بيديه دموعي.

أمسكني من يدي وقادني إلى البيت وحين رأتني المربية المحبوبة "أم صالح" على هذا النحو، وهي التي لا تكف عن أن تشكوني لأمي، ولكنها تحبّني جداً وأنا أحبها، احتضنني وهي تردد "خير يا حبيبي خير"، عادت أمي من المدرسة ورأتني في البيت لم أرد على سؤال أمي لماذا أنا في البيت. لكنها وقت رأت علائم الغضب في وجهي وآثار البكاء عليه احتضنني هي الأخرى.

في صباح اليوم التالي: حاولت أمي أن تلبسني لباس المدرسة وأنا أبدي الرفض، لكنها بكل حنو قالت: سآخذك معي إلى المدرسة، وتجلس إلى جانبي في الإدارة، ذهبت ورفضت أن أدخل الصف، بعد أيام ما كان من أمي إلا أن أصبحت معلمة الصف الأول، ويبدو بأنها لم تجد إلا حلاً كهذا لمشكلتي مع المدرسة. ومضت الأيام وأنا في المقعد أستمع إلى دروس أمي معلمة الصف الأول، مدللاً من الجميع، مهاباً من التلاميذ، معتداً بقوتي، شاعراً بحريتي.

في نهاية العام كنت أقف في باحة المدرسة في حفل توزيع" الجلاءات" وقد حصلت على مرتبة الأول في الصف، لا أدري الآن طبعاً هل نلت مرتبة الأول لأَنِّي ابن المديرة أم لأَنِّي أستحق هذه المرتبة عن جدارة.

في الصف الثاني انفصلت عن أمي وتعلقت بمعلمتي الدمشقية الجميلة "بهية ميداني"، التي لم أنس اسمها ولن...

سنوات ست قضيتها في المدرسة على هذا المنوال، بين كاره للصف، و محبّ له، دون أن تسري عليّ طقوس العنف المدرسي التي كانت تتم أمامي على تلاميذ المدرسة القرويين، حيث لم تكن العصا لتفارق يد المديرة وأيدي المعلمات. ولم تتغير أغلب ملاحظات المدرسات على جلائي آخر العام "ذكي، كثير الحركة والكلام في الصف"، ولم تتغير أيضاً مرتبتي في نهاية كل عام والتي تراوحت بين الأولى والثالثة. إني وأنا أستعيد هذه التجربة بعين العارف الآن للشروط التي تكوّن الشخصية في سنوات الطفولة الأولى وبالعلاقة مع الجبلّة أدرك أساس ذاتي في مسارها الطويل.

كاتب من فلسطين

ينشر الملف بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر