الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

مصرع الخطيب العدناني النابح على الحضارات

مصرع العدناني في العراق مناسبة لنراجع كل أشكال الإسلام السياسي. لماذا يركض الناس خلف مقتدى الصدر؟ ما تفسير هذه الظاهرة؟ إنها تمثل غياب الفرد وغياب العقل.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/09/04، العدد: 10386، ص(6)]

أهنئكن يا فتيات لندن وباريس بمقتل العدناني خطيب الدواعش، النابح على القمر والجمال. أهنئ أصدقائي الشعراء في حانات الأرض، في صحة الأخطل وأبو نؤاس والمتنبي، ومَن أكثر بلاغة منا؟ قُتِل عدو من أعداء المرح. أهنئ بنات المدارس السافرات في تونس والمغرب والقاهرة، أسفرن بأبي أنتنّ وأمي، فقد قُتِل عدوٌّ من أعداء المرأة.

أهنئ الفلاسفة والأحرار بمصرع عدوّ من أعداء الحرية. أهنئ المطربات والرسامين والموسيقيين والنحاتين، فقد قضى اليوم عدوّ من أعداء الفنون. أهنئكن يا فتيات الموصل والأنبار وتكريت الطيبات العربيات الماجدات، فقد رحل عدوّ الأغاني والحب والتعليم.

وعزائي للإخوان المسلمين والخمينيين والسيستانيين، عزائي لحسن نصرالله وخامنئي والوهابيين، فهذا عهد جديد يُعزّ الله فيه التنوير وأهله، ويُذلّ فيه التطرّف وأهله. وكالة أعماق تُعلن عن مصرع نابح على الحضارة الخطيب المفوه لـ”الدولة الإسلامية” أبو محمد العدناني بتاريخ 17-08-2016.

سقط الخطيب الإرهابي الذي كان يحرّض المسلم في الغرب على رفع حجر ليضرب به أيّ مواطن أجنبي على رأسه وقتله في البلد الذي أطعمه واستقبله وعلّمه اللغة والحياة الكريمة. العدناني قال في أحد خطاباته “يا رب هذه الطائرات فوقنا، وأنت فوق الطائرات”. وها قد قتلته الطائرات ولم تتدخل السماء، بل تبدو ساطعة ومتلألئة أكثر في عيون الأطفال الآمنين في العالم بعد غيابه.

وقال العدناني في آخر خطاب له “اللهم إن كانت هذه الدولة دولة خوارج: فاقصم ظهرها واقتل قادتها، وأسقط رايتها، واهد جنودها إلى الحق”، وها هو الرب الرحيم يستجيب لدعائه.

لن يسمح العالم الحر بدولة دينية في القرن الحادي والعشرين، هذا هو الدرس النهائي من مصرع العدناني. وفي كل إصدارات الانتحاريين الدواعش، أولئك المجانين الذين يضحّون بشبابهم مع ابتسامة واثقة بالجنة. أسمع مقولة واحدة فقط مسكوت عنها منسوبة إلى الحسين بن علي “إن كان دين مُحَمَّدٍ لم يستقمْ، إلا بقتلي فيا سيوف خذيني”. إن ثقافة التمرد والتضحية بالنفس لأجل الدين وتحدّي السلطان يجب أن تتوقف ويبدأ عصر جديد، عصر العقل.

المهم الآن أن يعي أتباع ولاية الفقيه الدرس. لا يمكن الاستمرار في تمجيد الخميني والخامنئي والسيستاني وولاية الفقيه. العرب فصلوا الدين عن السياسة ويحاربون الدواعش والإخوان وكل أشكال الإسلام السياسي. لقد وضعت مصر الشيخ القرضاوي على الإنتربول الدولي، ومرشد الإخوان المسلمين في السجن، بينما تستمر إيران بدعم الإسلام السياسي الشيعي وترهيب المنطقة ظنا منها بأن العالم سيسمح بدولة دينية من أيّ نوع وشكل.

إن فصل الدين عن السياسة ليس مزاحا، وتمتد جذوره إلى مؤسس علم السياسة في التاريخ العربي معاوية بن أبي سفيان، وهو نفس موقف الحكومات العربية اليوم. لم يكن تأسيس دولة دنيوية سهلا فقد كان على الدولة الأموية مواجهة إمام البلغاء وولده سيد شباب أهل الجنة، ومواجهة عبدالله بن الزبير وعدد كبير من الصحابة وأهل البيت. وكذلك فعلت الدولة العباسية. كان عبدالله بن الزبير خطيبا عظيما مثل العدناني وعنده ذات الأهداف المثالية الدينية، فانفض من حوله حتى أبناؤه طمعا بحياة دنيوية تعدهم بها دولة عبدالملك بن مروان.

يمر الحكام العرب اليوم بذات المحنة وعليهم أن يكونوا صارمين كالأمويين والعباسيين. المشكلة أن هناك دولة إسلامية في إيران خلطت الدين بالسياسة وحولت الفقهاء إلى سياسيين. هؤلاء سيأتي عليهم الدور فلا مستقبل لهكذا نموذج في العالم الحديث.

كانت حجة عبدالله بن الزبير في رفض البيعة ليزيد بن معاوية هي أنه شارب للخمر، وهي نفسها حجة الحسين ضد يزيد. كلها تمردات متعلقة بالورع الديني للحاكم، فانتصر الحاكم الدنيوي وتغلّب وهُزم المتشددون. وظل المرح ينتصر حتى مصرع العدناني. وربما الطيار الذي قصف العدناني أو الذي يتحكم عن بعد بالطائرة قد نال مكافأته ويرقص الآن مع حبيبته في شيكاغو ويشرب براندي.

مصرع العدناني في العراق مناسبة لنراجع كل أشكال الإسلام السياسي. لماذا يركض الناس خلف مقتدى الصدر؟ ما تفسير هذه الظاهرة؟ إنها تمثل غياب الفرد وغياب العقل، العقل غير موجود، لهذا لا يهتم الغرب بقتلانا، لأنه لا يوجد أحد ولم يولد الإنسان بعد.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر