الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10522

الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10522

مؤتمر الشيشان الإسلامي لا يقدم ولا يؤخر

الله قد تكشف لي في مجدك أيتها الحرية، لا وجود للإيمان في حسن نصرالله والقرضاوي والبغدادي، قوارض الدم والتخلف. الله في خطواتك أيتها الحضارات، في الكلمات الأولى للعقل، في عيون الأطفال الفرحين بڤانكوفر. في العقل، لا في الجنون.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/09/06، العدد: 10388، ص(9)]

البعض من المثقفين السعوديين وضعونا في حيرة؛ فهم من جهة يكتبون بنفس ليبرالي جريء يهاجم التطرّف الديني ويدعو إلى التنوير، ومن جهة أخرى عندما انعقد مؤتمر الشيشان الإسلامي دون دعوة السلفيين ثارت ثائرتهم ويريدون أن تتم مقاطعة مصر خليجيا.

حين كنا نكتب عن مجازر العراق الطائفية ونطلب من المثقفين السعوديين المساعدة، كانوا يومها يتحدثون عن دعم الشيعة العرب ومكافحة الإخوان والوهابية، واليوم يقولون السلفية مدرسة فكرية ممتازة وتمثل الإسلام والدولة، وعدم دعوتهم للمشاركة في مؤتمر إسلامي جريمة.

الموضوع أصبح مربكا. هل نكتب ضد الإخوان والسلفية المتطرفة أم لا؟ هل ندعو إلى قيم ليبرالية وسلام مع إسرائيل أم لا؟ على المثقف السعودي أن يخبرنا في أي اتجاه نسير رجاء؟ مجموعة من المثقفين السعوديين وضعوا مقالي الأخير على التواصل الاجتماعي ويقولون “ليس بعد الكفر ذنب”، هل يمكن لكاتب مسلم أن يهنئ السافرات بمقتل أبومحمد العدناني؟

ثلاثون مليار دولار تقريبا قدمتها السعودية والخليج لإنقاذ مصر من قبضة الإخوان ومشروعهم الخطير، واليوم نجد كما لو أن هناك تناغما بين الشيخ القرضاوي “الإخواني” وبعض خصومه من المثقفين السعوديين حول موضوع بسيط لا أهمية له، مثل انعقاد مؤتمر إسلامي في الشيشان بعنوان “مَن هم أهل السنة” لم توجه فيه الدعوة للإخوان والسلفيين.

انعقد مؤتمر غروزني بدعوة من الرئيس الشيشاني رمضان أحمد قديروف وهو مسؤول عن دعوة وعدم دعوة مَن يشاء، لا أعتقد بأن لمصر أي ذنب في هذه المشكلة تحديدا. نحن كمثقفين لا نستطيع التصالح مع رجال الدين، فهم ينظرون إلينا كجهلة لأن العلم في نظرهم كتاب وسنة. والمثقفون لا علم شرعي عندهم، ولا يجيز البعض من السلفيين الكتابة في الشأن العام دون علم شرعي، والصراع عموما بين المثقفين ورجال الدين هو صراع وجود بين طبقتين.

لا يستطيع رجال الدين إعادة المثقفين إلى الصراعات بين الفرق الدينية في العهد العباسي. التنوير الغربي لم يأتِ ضد الأرثوذكسية أو الكاثوليك أو البروتستانت، بل جاء كفكر تنويري ينتقد جميع الفرق جوهريا. إن أكثر رجال الدين انفتاحا اليوم هو الشيخ الجفري إلا أنه أيضا، حين قدم له الرئيس الشيشاني قطعة قماش مدعيا بأنها لعلي بن أبي طالب، صار يرتجف وصار يمسح بها على وجهه. المثقف العربي تجاوز هذا المستوى من التفكير اليوم.

العالم العربي يمر بمحنة فلسفية وليست سياسية فقط. وإلا ما معنى أن تحمل السلاح وتقاتل في سبيل الله؟ نحن نرى بأعيننا الطيار الأميركي يقصف المتطرفين في النهار ويسكر في الليل، ونرى الحكومات العربية تطارد رجال الدين المتطرفين، ولا تسمح الرقابة بكلمة خارج الخطبة الرسمية يوم الجمعة. الشباب بدأ يفكر في هذا الواقع ويتجه نحو العلمانية.

البارحة في بيت صديق كندي سألني كيف كان العرب قبل الإسلام؟ حدثته عن كرمهم ومرحهم والشعر الجاهلي، كانت الكعبة تحمل على جدرانها غزلا بالنساء وتمجيدا للخمر “ألا هبي بصحنك فأصبحينا/ ولا تبقي خمور الأندرينا”. ثم سألني ما هي مشكلة المشركين لماذا قاوموا الإسلام؟ قلت له كان عندهم سؤال واحد “أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون”، قال هذا سؤال عظيم في يومنا هذا أيضا، هذا هو جوهر الصراع ولكن العرب اكتشفوا أن الإسلام رسالة تحقق لهم طموحاتهم القومية والحضارية، لهذا استسلمت القبائل للوحي ولعظمة النبي.

وصلتني، قبل يومين، رسالة من مدينة الرمادي التي حطمتها الحرب بنسبة 80 بالمئة، تؤكد تراجع الحماسة الدينية بين الشباب. المساجد فارغة باستثناء البعض من المسنين. صلاة جمعة موجودة ولكن الأعداد قليلة. بعض المساجد لا ترفع الأذان. الشباب لم يعد يسمع لرجال الدين سواء كانوا معتدلين أو متطرفين. هناك إعادة إعمار للمدينة مع إعادة صياغة للعقول. تحول كبير من العقل الديني إلى الدنيوي في العراق. ردة فعل قوية بعد ما جرى ويجري، فقد خربت الأرزاق، وقطعت الأعناق، وهدمت البيوت لسبب ديني لا أكثر.

يقول لي شاب عراقي: عندما تقرأ القرآن تجد أن ظاهر النص غاضب على الذين يرفضون الإيمان. بعض الآيات تدعونا إلى التفكير ولكن لنزداد إيمانا فقط، أما أن تشك وتصير ليبراليا فهذا يدخلنا في باب “مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا”. هناك حاجة إلى تفسير جديد وتسامح أوسع في الفهم الديني.

كشفت صحيفة النيويورك تايمز مؤخرا عن دراسة من 148 صفحة قامت بها الحكومة الأميركية لمناهج التعليم الدينية في السعودية. وذكرت أنها غير مقتنعة بوجود ما يكفي من التسامح الديني في هذه المناهج.

إذا أردت أن تعرف لماذا السعوديون يحبون حكومتهم؟ اذهب إلى أوروبا ستجد الشباب السعوديين من عمر 16 إلى 40 يتجولون بسعادة ويدرسون ويتسوقون ويتسكعون. جوازاتهم مقبولة دون تأشيرة وحياتهم رغيدة، لهذا يقفون مع الدولة ضد أي رجل دين يحاول أن يخرب علاقاتهم بالعالم المتحضر. الولاء السعودي للحكومة وليس لرجال الدين.

إعلامي عراقي طائفي يقول لماذا يحتفظ السعوديون بنعال الملك عبدالعزيز بن سعود بالمتحف؟ ولماذا لا؟ رجل جمع القبائل ووحد الجزيرة العربية. كان الشعب يعيش أسوأ حياة في الصحراء، فانتشلهم الملك ومنذ قرن كامل عندهم دولة ثرية، لم يدخل بهم قادتهم حربا ولا مجاعات ولا مهانة، وجوازهم محترم ودخلهم مرتفع.

ماذا قدم السيستاني للعراقيين؟ بل علي بن أبي طالب نفسه عندما حكم الكوفة صار يقول للشعب العراقي “وددت لو أني أقدر أن أصرفكم صرف الدينار بالدراهم، عشرة منكم برجل من أهل الشام”، هذه هي البلاغة التي يمتدحها العراقيون اليوم، إمامة تلعن الدنيا وتصفها بعفطة عنز وتمجد الاكتئاب “اللهم إني قد مللت الناس وقد ملوني فخذني إليك” وحين يسقط على رأسه سيف يقول “فزت ورب الكعبة”.

على المثقف الليبرالي ألّا يتراجع ويذهب قدما في التنوير. ليس سهلا عدم وجود نحت ولا رسم ولا موسيقى. الروح العربية بلا تاريخ. القرآن شجعنا على النظر في الكون، ولكننا وبسبب موقف الغزالي من الفلسفة لم نستطع رفع عيوننا إلى النجوم، كنا مشغولين بالنص المقدس.

صار النص هو المعجزة. الفقراء لم ينظروا إلى النجوم، فقد كانت ظهورهم محنية في الحقول. وحدهم الأطفال نظروا إلى الكون، وكانوا يسألون عن النجوم والأمهات المتعبات يجبنهم عن الله. الشيوخ هم الأعلم بالسماء لأنهم الأعلم بالنصوص، هذه خلاصة المأساة في تاريخنا الفكري.

الله هو هذه المدينة التي ليس فيها عبد ولا ظلم. إن معجزته في الإنسان، والمدينة التي تحقق كرامة الإنسان هي مدينة الله. هو هذه المستشفيات الكندية الراقية التي تعالج الناس مجانا، التعليم للجميع، الحرية والكرامة مكفولتان. آمن إذا شئت واكفر إذا شئت، اكتب في مجد الكنيسة، أو اكتب ضد المسيح، أنت حر. إن الله قد تكشف لي في مجدك أيتها الحرية، لا وجود للإيمان في حسن نصرالله والقرضاوي والبغدادي، قوارض الدم والتخلف. الله في خطواتك أيتها الحضارات، في الكلمات الأولى للعقل، في عيون الأطفال الفرحين بفانكوفر. كم كنت واهما حين رحلت بحثا عن الله، إنه هنا في كل فرحة وعدل وحب.

المؤتمرات الإسلامية لن تقدم ولن تؤخر، الشباب العربي مستعد اليوم لتحول ليبرالي شامل. إصدارات الانتحاريين مثلت نهاية للمزاج الديني كله. لقد هزوا الدماغ العربي هزا. الانتحاريون جعلونا بين خيارين فإما الحياة وإما التطرف. انتحاري عراقي ملثم لا أنساه ما حييت، لم يكن شابا يافعا بل في منتصف العمر يقول “الله عزيز، فكرت ماذا أقدم لله؟ فلم أجد أغلى من نفسي”.

وصعد المركبة المفخخة وانبعثت النار بعد دقائق، وصوت الشباب في التسجيل يردد “الله يتقبلك”. هذه الإصدارات أكبر صدمة فلسفية، ولولا العالم الحر لكانت المنطقة كلها تصلي جماعة بالإكراه، وتقيم الحدود، وتمنع الفكر والتنوير والسفور، وتسبي الأقليات وتقطع الرؤوس.

مشكلة الفكر الديني تكمن في آثاره على المجتمع والثقافة، فإذا كنت أقل وعيا من أسلافك وتردد كلامهم وتحفظه، فمتى تصل إلى الفكر الحديث المعاصر الذي يسبق أسلافك بسنين ضوئية. إن عبادة الموتى التي يحتج بها الوهابيون على الشيعة لا قيمة لها، لأن عبادة أقوال الأسلاف لا تختلف عن عبادة قبورهم.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر