الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

مهرجان فينيسيا مازال ينتظر التحفة السينمائية

  • مازال جميع الحاضرين من النقاد وهواة السينما الرفيعة في الدورة الـ73 لمهرجان فينيسيا السينمائي، في انتظار ظهور “التحفة” السينمائية التي تلقى الإجماع وهو ما يحدث عادة في فينيسيا، غير أن “الأسد الذهبي”، أي الجائزة الأرفع شأنا من بين جوائز المهرجان، تظل مسألة أخرى، فقد لا تذهب بالضرورة إلى الفيلم “الأفضل” من وجهة نظر النقاد وخبراء السينما، بل تخضع عادة لحسابات أخرى، وتأتي في النهاية لكي تعكس محصلة صراع آراء تسعة أشخاص هم أعضاء لجنة التحكيم الدولية التي تمنح الجوائز.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/09/06، العدد: 10388، ص(16)]

لقطة من فيلم 'فرانتز': أنا وأدريان في لحظة استرخاء

تشمل المسابقة الرئيسية لمهرجان فينيسيا السينمائي لهذا العام 20 فيلما طويلا من بينها فيلمان تسجيليان، تتضمن عددا من أفلام المخرجين المرموقين مثل فيم فيندرز وتيرنس ماليك وأمير كوستوريتشا وأندريه كونتشالوفسكي وبابلو لارين وفرنسوا أوزون ولاف دياز، وقد شاهدنا حتى الآن فيلم فيم فيندرز “الأيام الجميلة لأرانجويه”، وفيلم فرنسوا أوزون “فرانتز”.

فيم فيندرز صاحب الرؤية السينمائية التي تجنح نحو التأمل في المصير الإنساني (أشهر أفلامه “باريس- تكساس”)، يبدو أنه قد أصبح يميل إلى حالة “السكون السينمائي”، التي تنتاب الكثير من المخرجين بعد أن يكونوا قد أفرغوا كل ما عندهم، وأصبحوا يميلون بعد أن يتقدم بهم العمر، لمعالجة مواضيع مجردة من خلال أشكال تجريدية تعتمد على الحوار، فهو يقتبس فيلمه الجديد “الأيام الجميلة لأرانجويه” من مسرحية الكاتب الألماني بيتر هانديكه.

وتدور أحداث الفيلم في الزمن الطبيعي، أي أكثر قليلا من ساعة ونصف الساعة، في مشهد واحد، حيث يجلس رجل وامرأة تجاوزا منتصف العمر، على مقعدين بحديقة منزل في أحد أيام الصيف، يسترجعان معا عن طريق الحوار، والحوار فقط، ذكرياتهما عن الحب، دون أن يتبادلا حتى النظرات، فهما لا يواجهان بعضهما البعض، بل يتطلعان إلى الأفق في شكل أقرب إلى “المونولوغ” الطويل الممتد بطول الفيلم، دون أن يحاول فيندرز الخروج بالكاميرا من الفضاء المحدود للمشهد-الفيلم.

المسرح المصور

فيندرز الذي تجاوز السبعين، يبدو أنه يشعر بوطأة السنين، فيركن إلى “التأمل” راغبا في استرجاع الماضي، ويجد نفسه فنيا، أقرب إلى لغة المسرح المصور، الذي يعتمد بالكامل على الحوار، والأداء التمثيلي، وهي نفس الحالة التي “أصابت” من قبل المخرج الفرنسي الراحل آلان رينيه في سنواته الأخيرة، فأصبح يخرج أفلاما أقرب إلى المسرح، رغم كونه المخرج الذي أشعل شعلة السينما الجديدة في العالم عندما قدم في أوائل الستينات من القرن الماضي السينما الأكثر طليعية و”سينمائية” في عالم “الموجة الجديدة” الفرنسية، وهو فيلم “العام الماضي في مارينباد”.

ويعتمد فيندرز هنا على أداء الممثل الجزائري الأصل رضا كاتب، والممثلة الفرنسية صوفي سيمين، لكي يقول لنا عبر أكثر من 90 دقيقة إن الحب لا يخلو من الألم، بل كله ألم، وأن الفراق يحدث لا محالة مهما حاول المرء أن يمنعه، ولكن طعم الحب يبقى عالقا في القلب وفي الذاكرة.

بعد حوار متصل لا ينقطع تحلق طائرة هليكوبتر في الجو دون أن نعرف بالضبط دورها، لكنها تقطع تدفق حديثي الرجل والمرأة، وتجعل المرأة تهتف ربما على سبيل السخرية أو المجاز الساخر “كله حوار.. ولا حركة!”.

المخرج فيندرز بات يركن إلى التأمل راغبا في استرجاع الماضي، ويجد نفسه فنيا، أقرب إلى لغة المسرح المصور

ردم الماضي

المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون يعود إلى زمن ما بعد الحرب العالمية الأولى (التي انتهت عام 1918)، ليعيد (مع بعض التصرف) رواية قصة سبق أن قدمها المخرج الأميركي إرنست لوبيتش عام 1932 في فيلم بعنوان “التهويدة المكسورة” (عن مسرحية “الرجل الذي قتلته” للكاتب الفرنسي موريس روستان)، بطلها شاب فرنسي يدعى في الفيلم الجديد أدريان، يذهب بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة إلى بلدة ألمانية (أي يسير إلى “الأعداء”)، لكي ليضع الزهور على قبر شاب ألماني يدعى فرانتز، لقي مصرعه في إحدى المعارك بين الجيشين الفرنسي والألماني، وهناك تلمحه خطيبة الجندي الألماني القتيل أنا، التي أصبحت تقيم منذ تلقي خبر وفاته، مع والدي خطيبها الراحل فرانتز للتسرية عنهما.

أدريان، متردد، خجول، نحيل، زائغ النظرات، ناعم كالماء، مرهف كصبية بريئة، يخفي شيئا لا يريد أن يبوح به، وعندما يطرق باب منزل أسرة فرانتز ويعرف الأب أنه فرنسي، يرفض استقباله ويطرده، فهو يعتبر الفرنسيين جميعا مسؤولين عن قتل ابنه، لكنه بعد أن يسمع من أنا أن الشاب الفرنسي جاء لتقديم العزاء، وأنه كان صديقا حميما لفرانتز أثناء دراسته في باريس قبل الحرب، يقتنع بالاستماع إلى قصته، ويقص أدريان على الأسرة كيف كان يتجول مع فرانتز في متحف اللوفر ويتوقفان بوجه خاص أمام إحدى لوحات الفنان إدوار مانيه، وكيف كان يقوم بتعليم فرانتز العزف على الكمان.

أدريان المتردد الخجول الذي يبدو انطوائيا، لا يقبل ما تبديه أنا الجميلة نحوه من مشاعر، بل يبدو منسحبا مبتعدا عنها بما يوحي لكل من يشاهد النصف الأول من الفيلم بأنه “مثلي الجنس”، وربما يكون أيضا يهوديا بحكم منظر وجهه وتكوينه وأنفه (الممثل الذي يقوم بالدور ببير نيني يهودي فرنسي)، وتوحي تصرفاته وتردده في الاعتراف لأنا بالحقيقة، أنه ربما كان على علاقة حب بخطيبها الراحل فرانتز، أي أن فرانتز نفسه كان “مثليا”.

تألقا في فيلم "ضوء بين المحيطات"

وربما لو سار الفيلم في هذا الاتجاه لأصبحنا أمام عمل ذي أبعاد كبيرة ودراما أكثر عمقا، خاصة وأن الأحداث تدور في معظمها في ألمانيا وقت بدايات تصاعد المشاعر الوطنية الألمانية، والفيلم يصور بالفعل هذه الأجواء.

ومع ذلك، ليس من الممكن بالطبع افتراض ما لا يوجد بالفيلم نفسه، بل يجب أن يتركز تحليلنا له بما يحتويه فعلا، فما سيحدث هو أننا سنعرف أن أدريان كذب على أسرة فرانتز، وأنه لم يكن صديقا له ولم يتردد معه على اللوفر، بل كان في الحقيقة -كما يعترف لأنا- هو الجندي الذي قتله عندما تواجها داخل خندق أثناء الحرب، وأنه يشعر بالذنب ويريد التكفير عن ذنبه، وهي قصة ليس من الممكن ابتلاعها بالطبع، لأنها مصنوعة صنعا للتباكي على ما يتورط فيه الشباب البريء من أعمال عنف وقتل في سياق سينمائي مليء بالاستطرادات والمواقف الميلودرامية من خلال سرد تقليدي.

أنا لا تخبر أسرة فرانتز بالحقيقة التي أطلعها عليها أدريان، بل تدعها تعتقد أن أدريان كان صديقا مخلصا لفرانتز وكان يشاركه دراسة الموسيقى والعزف على الكمان في باريس، ولكنها في الوقت نفسه تجد نفسها مشدودة عاطفيا إلى أدريان الذي يصبح بديلا لها في الحب كما أصبح ابنا بديلا لأسرة فرانتز، بل إنها ستذهب إلى باريس للبحث عنه، لتجد أنه مرتبط بفتاة هي قريبة له وأنه سيتزوجها، وما يتبع هذا من شعور بالغيرة والإحباط، في حين يبدو أدريان نفسه لا مباليا، لا بأنا ولا بالفتاة الأخرى الفرنسية!

الفيلم يكرر نفس الرسالة القديمة المستهلكة المناهضة للحرب والداعية إلى السلام بين الشعوب الأوروبية (بل بين فرنسا وألمانيا تحديدا)، والتأكيد على أن لا أحد ينتصر في الحرب، بل يتساوى الجميع في الخسارة، وكما فقد الألمان أبناءهم في الحرب، فقد الفرنسيون أيضا الكثير من أبنائهم. ولعل الاكتشاف الحقيقي في الفيلم هو ذلك الأداء المبهر للممثلة الألمانية الشابة بولا بير (21 سنة) التي ستصبح دون شك، إحدى نجمات المستقبل في السينما الأوروبية.

هناك بعض المشاهد التي يعود فيها المخرج إلى الماضي، حينما نشاهد لقاءات فرانتز بأدريان الخيالية في باريس، ولكن الفيلم يسير كما أشرت في سياق تقليدي في السرد، مع لمحات بارزة في التصوير بالأبيض والأسود مع الانتقال أحيانا إلى الألوان في مشاهد الماضي المتخيلة، أو للتعبير عن مشاعر أنا العاطفية التي تكتمها، ورغم الأسلوبية المتميزة في الفيلم كعادة أفلام أوزون، إلاّ أنه ليس من المتوقع أن يترك الفيلم تأثيرا على الجمهور العريض بسبب تكرار الرسالة، وتقليدية القصة، وسخف الكثير من تداعياتها.

السرد التقليدي

الأسلوب التقليدي في البناء والسرد يسيطر على معظم ما شاهدناه حتى الآن من أفلام، بل ويعتمد الكثير منها على أصول أدبية (مسرح أو رواية)، أو “على قصة حقيقية”.

كان الطابع التقليدي في السرد واضحا على سبيل المثال في فيلم “ضوء بين المحيطات” للمخرج الأميركي ديريك سيانفرانس، وهو من الإنتاج الأسترالي الأميركي النيوزيلندي، ومثله مثل الفيلم السابق، مأخوذ أيضا عن رواية أدبية تدور في الفترة اللاحقة للحرب العالمية الأولى.

الأسلوب التقليدي في البناء والسرد يسيطر على معظم ما عرض من أفلام، إذ يعتمد الكثير منها على أصول أدبية

بطل الفيلم شاب يدعى توم (يقوم بالدور ببراعة مايكل فاسبندر) أسترالي، خدم بلاده في الحرب العالمية الأولى وشهد الكثير من القتلى، وقد عاد إلى بلاده، حيث تم تكريمه كبطل من أبطال الحرب، ثم حصل على وظيفة حارس في منارة بحرية في جزيرة “جانوس”، بناء على رغبته في اعتزال العالم.

هل نحن أمام قصة شبيهة بقصة الفيلم المصري “زوجتي والكلب” لسعيد مرزوق؟ ليس تماما، هناك ملامح مشتركة تتعلق بالوحدة، بالرغبة في اعتزال الدنيا والبشر، والتأمل وحيدا داخل تلك الصومعة التي تشرف على الأفق المفتوح على المحيط، ولكن الوقت لا يطول قبل أن يجد توم نفسه متعلقا بفتاة جميلة مرحة، تبدو أكثر منه قدرة على التعبير عن مشاعرها، هي إيزابيل (تقوم بالدور ببراعتها المعتادة السويدية ذات الملامح الشرقية أليسيا فيكاندر).

يتزوج توم إيزابيل ابنة العائلة المحترمة التي تنتقل للعيش معه في منزل ريفي بسيط، حيث تعمل وتتحمل المشاق من أجل أن تجعله سعيدا، ثم تحمل منه، ولكنها تفقد الجنين بالإجهاض، ومرة ثانية تحمل ثم تفقد الجنين.

وذات يوم يلـمح توم من موقعه في المنارة مركبا يتهادى نحو الشاطئ، فيهرع إليه ليجد بداخله شابا ميتا وطفلة رضيعة يحملها كأنها هدية السماء أرسلها الرب إلى زوجته التي تتطلع بلهفة للإنجاب.

يقوم توم بدفن جثة الشاب الميت على مرأى من إيزابيل، ثم يتبنى الاثنان الطفلة ويطلقان عليها اسم لوسي التي تصبح ابنة لهما، وتمر الأيام، ليكتشف توم أن هناك سيدة حزينة هي هانا (راشيل وايتز) ابنة رجل شديد الثراء هو الذي كان قد أنفق من ماله على إنشاء المنارة، وأن هانا فقدت زوجها الألماني الذي تزوجته على غير رغبة أسرتها، بعد أن تعرض لاضطهاد عنصري من جانب شباب البلدة القريبة بسبب كونه ألمانيا، واضطر للفرار مع ابنته الوليدة، لكنه اختفى منذ ذلك الحين، ويدرك توم على الفور أن لوسي ليست سوى ابنة هانا التي تتعذب بسبب فقدانها.

الممثل الجزائري الأصل رضا كاتب بطل فيلم فيم فيندرز

منذ تلك اللحظة يبدأ الشعور الأخلاقي (المسيحي) بالذنب عند توم، الذي يرغب في التكفير عن الذنب، فهل يرد الابنة إلى أمها ويتسبب بالتالي في تدمير زوجته التي أصبحت تعتبر سالي ابنتها بعد أن كبرت البنت وأصبحت في الرابعة من عمرها، خاصة وأن سالي متعلقة كثيرا بإيزابيل؟ أم يصمت ويتستر على ما أخفاه، ليستمر في العيش تحت وطأة تعذيب الضمير، وتستمر هانا في عذابها؟

هذا هو السؤال الأخلاقي الذي يطرحه الفيلم من خلال ميلودراما أخرى تلعب على المشاعر والتداعيات التي تترتب على هذا الصراع الداخلي، وما ينتج بعد ذلك عندما تصبح الحقيقة ظاهرة وتعود سالي إلى أمها الحقيقية (رغما عنها)، ومع تكرار رفض لوسي (واسمها الأصلي غريس) يطرح التساؤل: من الأحق والأولى بالابنة؛ الأم الحقيقية التي لا تشعر الطفلة تجاهها بأي مشاعر، بل تجدها غريبة عنها؟ أم الأم التي تبنتها وأنقذتها من الموت هي وزوجها وتولت تربيتها حتى أصبحت طفلة جميلة تفور بالحيوية والجمال والذكاء؟

لا شك في جمال التصوير ونجاح المخرج في استغلال كل إمكانيات الطبيعة والمكان، مع التحكم في المونتاج، حيث جاء الفيلم على كل هذا النحو من الرونق وجمال الصورة.

ويجمع الفيلم بين الميلودراما والفيلم البوليسي المشوق، ولعل من أبرز ما يمنحه قوته الأداء التمثيلي من جانب البطلين:

مايكل فاسبندر الذي يلعب هنا دورا جديدا عليه، يتدرج من شاب يشعر بوطأة الحياة وقسوتها بعد أن مر بتجربة القتل الجماعي في الحرب، إلى زوج مسؤول يحب زوجته ولا يطيق أن يراها تتعذب، إلى رجل يقبع وراء القضبان في انتظار الإعدام بتهمة قتل لم يرتكبها.

كما تتألق أليسيا فيكاندر في دور إيزابيل، التي تتعذب رغبة في الإنجاب لكي تملأ حياتها الفارغة في تلك المنطقة المعزولة، وعندما يتحقق حلمها ولو بتلك الطريقة التي تعتبرها هدية من السماء سرعان ما تحل اللعنة عليها وتواجه مع زوجها مصيرا مأساويا.وفي جعبة مهرجان فينيسيا أفلام كثيرة ومفاجآت لا شك فيها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر