السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

تغييب التاريخ المعاصر في الأدب العربي سببه الخوف

  • وسط ندرة المؤرخين والروائيين، الذين سجّلوا تاريخ المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية بعيون كاشفة لمراحلها المختلفة إبان مرحلة العثمانيين وما بعدها وأثر التحوّلات النفطية عليها، حيث لم يبق من ذلك التاريخ سوى ذاكرة العجائز الشفهية التي تكاد تنتهي بعد رحيلهم، يجد الأديب نفسه مسؤولا حيال الذاكرة بوصفها تاريخا من خلاله يفهم كينونته الحالية. ضيفنا الروائي السعودي فاضل الجابر حاول من خلال روايته الأولى أن يقف على جزء من هذه الذاكرة متسائلا ومجيبا. “العرب” التقت به في هذا الحوار.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/09/06، العدد: 10388، ص(15)]

لم ألتزم يوما بأسلوب كتابي

أصدر فاضل الجابر مؤخرا روايته الأولى عن دار أطياف السعودية بالتعاون مع منشورات ضفاف اللبنانية حاملة عنوان “مساحة لعن شاغرة”، وتأتي هذه الرواية بعد مجموعتين شعريتين، “متّسع للرحيل” 2006، و”وحيدا في امتداد خطاك” 2011. ويعمل حاليا على استكمال مجموعته الشعرية الثالثة التي سترى النور متى استجمع الجابر نفسه لترتيب نصوصها.

مساحة لعن شاغرة

نقل الكثير من الشعراء منصاتهم إلى الرواية، وذلك رغبة منهم في سبر مناطق جديدة للاكتشاف وللكتابة وللتعبير عن الذات من خلال السرد والتفصيل والتحليل الذي تتيحه الرواية ويضيق به الشعر أحيانا. لكن الجابر لم يفعلها لهذا السبب، فقد انتقل بشكل عفوي دون أن يخطط لذلك. لهذا لا يعدّ الجابر رواية “مساحة لعن شاغرة” انتقالا، فهو -بحسب تعبيره- لم يلتزم يوما بأسلوب كتابي محدد، ولم يشعر أن لونا يحدّ كتابة فكرة جاءت من دون تفكير مسبق في كيفية تهيئة نشأة وجودها. ويقول الجابر “لا يعني إصداري لمجموعتين شعريتين تقيّدي بلون واحد من الكتابة، كنتُ أكتبُ القصة القصيرة ولي محاولات في السرد وحتى في الشعر النثري. الشعر لم يكن يوما مساحة ضيقة للتعبير، إذ أنه ملحمة الإنسان الخالدة وهو الأقرب لي لتدوين انفعالاتي وأفكاري”.

رواية “مساحة لعن شاغرة” عمل سردي جاء بلغة شعرية تتصاعد بالحكاية داخل الفضاء الروائي، متناولة الذات كمحور أساسي من خلال ذاكرتها مع الحبيبة والأصدقاء والمكان. فهي تسري في عروق ذاكرة السارد المركزية بخط واحد بين عوالمه المختلفة المتنقلة بين زمنين؛ ماضٍ، وحاضر. وتقف عند تفاصيل عالمين، الأول يتمثّل في الحلكة التي تدور بين الراوي ومحبوبته، والثانية ارتداد السرد للماضي، حيث سطوة الذاكرة التي تولّد الحاضر.

ومع وضوح معالم العمل الروائي في مكوّناته الأساسية إلا أن الجابر لم يصنّفه رواية، تاركا الخيار بيد المتلقي. ويقول الجابر “كتبت النص بمعزل عن التسميات، بينما أتت التصنيفات من القرّاء على أنه: رواية، سيرة أو شبه سيرة ذاتية، مجموعة من القصص، أو حتى مجموعة من النصوص النثرية والخواطر غير المترابطة. كل ذلك لم يكن هاجسا لي إذ أنَّ ما يهم في القراءة هو اقتناص الفكرة والرابط في ما كُتب. هناك خيط ربط كل الأحداث ببعضها، قد تكونُ قصة الحب المأساوية تلك باهتة المعالم لو تجردت من الخلفية التي أتى منها راويها العليم بكافة تفاصيل ذلك المكان وأحداثه وشخوصه. أضف إلى ذلك كيف أثرت فيه الأزمنة بتصاعد وتيرة الحياة وكيف تعامل هو نفسه مع الحياة قبل وبعد دخول تلك الفتاة التي عشقها حتى آخر أنفاسه؟”.

أحداث رواية "مساحة لعن شاغرة" تنتهي في 2015، مخلفة وراءها تاريخا من التحولات المهمة في المنطقة

تنتهي أحداث رواية “مساحة لعن شاغرة” في 2015، مخلّفة وراءها تاريخا من التحوّلات المهمة في المنطقة، لا سيما بعد حرب الخليج الثانية، لكن القارئ لن يلمس رياح الربيع العربي فيها. وكأنّ الأبطال منبتّو الصلة بحاضرهم ضمن ذاكرة ذاتية أخرجت كل ما هو غريب أو طارئ عن العمل.

وعن هذا الشأن يعلّق ضيفنا “لعلَّ صلصال فكرة العمل كان أقدم من هذا الخريف الذي لم يأت إلا بالخراب على الشعوب، لم أرَ إلا الأنقاض والدماء مذ استحكمت الفوضى على زمام تلك الأمكنة. كانت فكرة التدوين تدور في رأسي منذ العام 2006، لكني لم أمتلك الجرأة والسياق حينها. كانت نصوص ‘مساحة لعن شاغرة’ قد اكتملت في حلكاتها حين أشار لي بعض الأصدقاء بنقص في أبعادها الزمانية والمكانية، فكان أن أفرغتُ الفكرة لإتمام ذلك النقص. في مهب رياح هذا الخريف لم تكن المنطقة بمعزل عن التأثر بما يجري في بقع النزاع في العالم وقد تكون هي نفس المنطقة التي حدثت فيها أحداث 1400 للهجرة (1980م) المعروفة. الأحداث التي ستمر في سياق السرد على الرغم من بعد القرية التي تدور فيها الحكاية من تلك المنطقة عنها، أعني بُعد تعرضها لها وتفاعلها معها. ومن خلال ذلك قد يجد القارئ انطباعا على ما تماهى في سجايا جيل القرية. الجيل المسكون بالرهبة والخوف من ازدحام المشاهد، حتى لأولئك الذين لم يروا إلا نتائج الأحداث ومواليات عواقبها”.

ذاكرة العجائز المنسية

مغامرة أدبية مفتوحة على الذاكرة المنسية للمكان

لم يعد الجابر ينتظر أحدا ليعيد عجلة التاريخ ويحكي، لقد كان موقنا بأن مصادفة لم تقف عقبة لحدوثه، لهذا يجد مبرره الواضح في غياب ذاكرة العجائز الشفهية التي تكاد تتلاشى وسط غياب المؤرخين لتلك المرحلة الهامة في المنطقة. ويرى الجابر أن ما حدث من تغييب لكتابة التاريخ إنما حدث بإصرار عمّده الخوف من الخوض في ذكريات فيها ما فيها من مصائب وآلام وفجائع على كافة الأصعدة. ويقول الجابر “يبدو ذلك جليا من انعدام الكتابة أو حتى الخوف من ملامسة تلك الفترة، أعني الفترة التي يتغنى بها مجايلوها. ستدفن كل القصص والحكايا بمعول الوقت وتحت أنقاض اندثار ذلك الجيل. لن يتذكر أحدٌ أي شيء عن ذلك الزمن إن لم يتم تدوين ما يروى ويقال في إطار حكاية أو مقال؛ هذا ونحنُ في عصر المعلومة القصيرة التي تتبعثر تحت عجلات الزمن المتسارع”.

ويضيف الجابر بخصوص ذات الموضوع “لعلَّ تدويني للفترة التي عايشتها كان نابعا من رؤية شخصية، أن تنظر من الزاوية السفلى للمجتمع باتجاه الأعلى. بأن تعيد لفَّ الشريط لعدة سنوات ماضية ثم تترك الخراب يتشكل صورة بعد أخرى. ذلك ما كان يشغلني منذ بدأت خبز أول حرف في تنور كتابة النص حتى آخر فم مضغ رأيا فيه”.

وفي سؤال لضيفنا عن قدرة العمل السردي، أو الفنون بشكل عام، على جبر الصدع الطائفي والسياسي في السعودية، لا سيما بعد ما أحدثه الربيع في سوريا والبحرين وانعكس على المنطقة بحكم تقارب المناخ الإقليمي؟، يجيب الجابر “لا أظن أن ذلك ممكنا فقد اتسع الفتق على الراقع! ولعلّي تعرّضتُ بشكل عرضي للحياة في قرية ساحلية عاشتْ متناغمة مع قريتين أخريين تختلفان معها في ‘المذهب’ والذي لم يكن حاضرا في حساب أحد من تلك القرى الثلاث حتى وقت قريب. أظنُ أن للشحن الطائفي المصاحب بفورة المعلومات في الشبكة العنكبوتية يدا طولى، حيثُ باتت البيوت بلا حصانة من أفكار تتسرب إليها من كل ناحية ممكنة أو غير ممكنة.

وأيضا لن تؤثر الفنون بشكل عام على القرار السياسي لأنه حتى في أبسط الأمور تجد الممانعة أصلا من فئة كبيرة من الناس الذين تخمّرت القضية في نفوسهم حتى باتت كالعقيدة، وهذا يؤثر سلبا على اتخاذ القرار أو سرعة تنفيذه. فعلى سبيل المثال معضلة قيادة المرأة للسيارة لم تبارح مكانها حتى بعد أن أثيرت بهذا المستوى الكثيف”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر