السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

من يملك شيئا رقميا؟

المكتبة شيء جميل وتحتل حائطا كاملا كقطعة أثاث جميلة فيها خشب وأبواب زجاجية، بينما لكي ترى ألف كتاب رقمي يجب أن تفتح الكومبيوتر لترى أشياء بحجم الطابع البريدي شكلها لا يسر.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/09/06، العدد: 10388، ص(24)]

الأسبوع الفائت قرأت خبرا مبهجا حقا. يقول الخبر إن الإحصائيات تظهر أن هناك تراجعا في مبيعات الكتب الرقمية وتقدما في مبيعات الكتب المطبوعة ورقيا.

هذا شيء عظيم، وأرجو أن يكون مقدمة انهيار الكتب الرقمية وكل الأشياء الرقمية. الناس بدأت تنسى كم هو عظيم الكتاب كاختراع. دفتان وورق بحجم يمكن أن تأخذه معك في الفراش يحمل أفكارا هائلة وتجارب ومعارف كلها مبذولة أمامك للتناول متى تشاء حتى وأنت مندس تحت الأغطية في السرير.

المهم في الأمر أن العصر الرقمي أنتج كتابة لا وجود لها في العالم الحقيقي. هناك كتاب يكتبون لمواقع إنترنتية، يكتبون المقال وينشرونه ويقرأه الناس دون أن يكون له في أي من هذه الأطوار ملمس ولا له وزن وأبعاد. حياة المقال كلها هائمة في فضاء غريب ولا تتجسد. الرحلة من عقل الكاتب إلى قراءة القارئ ثم نسيان المقال كلها في فضاء موهوم.

أعتقد أن لا أحد يمتلك كتابا رقميا أو أسطوانة موسيقى رقمية اشتراها من النت ودفع ثمنا لتحميلها. خطر لي مؤخرا أنك تملك الشيء حين تستطيع أن تتصرف به كما تشاء ويمكنك أن تعيره أو تهديه للأصدقاء أو حتى تبيعه. يعني كون الكتاب أو الأغنية عندك لا يعني أنها ملكك. لأنك لو أعرت الكتاب لصديق يعني إرساله إلكترونيا وهذا يجعل منك لصا حقيرا أو قرصانا منحطا، كذلك ستشعر وهكذا ستعاملك الشركة التي باعتك الكتاب على أي حال.

الإعارة والإهداء تقليدان راسخان في ثقافتنا ولم أجد لهما امتدادا في أوروبا. الناس هنا يشترون كتبهم، يجد أحدهم كتابا عندك ويعجبه فيروح يشتريه ولا يستعيره منك. بسبب هذه الثقافة تبدو أرقام التوزيع والبيع عندنا هزيلة حقا. سمعت مرة أن نجيب محفوظ نفسه لا يبيع أكثر من خمسة آلاف نسخة من أحدث رواياته في بلده مصر ذات التعداد السكاني الهائل.

كان عندي صديق يزورني وعائلته وعندما يصلون بيتنا يروحون فورا إلى غرفة المكتبة يختارون كتبا يحملونها ويعيدونها بعد شهر أو شهرين ليأخذوا غيرها. وهكذا عندما يقولون إن رواية نجيب محفوظ الجديدة بيع منها خمسة آلاف فاعلم أن عدد من قرأها يبلغ خمسين ألفا أو حتى مئة ألف بالإعارة المكثفة.

ربما لذلك تنتشر القرصنة ويذيع تحميل الكتب والموسيقى بالمجان، أي بالسرقة. لا أظن أن أحدا يحب أن يدفع ثمن شيء ولا يمتلكه. ثم إن الكتب جميلة ولها غلاف وفيها خط مذهب أحيانا وتصاميم. الكتب لها وجه، يدعى الغلاف، ينبئ عن شخصيتها مثل وجه الإنسان. ولأنها موجودة حقا ولها حضور فيزيائي، يمكن رصفها على رفوف لتشكل مكتبة.

المكتبة شيء جميل وتحتل حائطا كاملا كقطعة أثاث جميلة فيها خشب وأبواب زجاجية، بينما لكي ترى ألف كتاب رقمي يجب أن تفتح الكومبيوتر لترى أشياء بحجم الطابع البريدي شكلها لا يسر.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر