السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

ناطق باسم شيء ما

الكلام في السياسة يبدو علة أساسية للحكم، ومن لا ينطق جهرا وأمام الناس بما يجعلهم يقتنعون، لا ينبغي أن يترشح لينوب عنهم في الكلام.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/09/07، العدد: 10389، ص(15)]

من الأقوال المنسوبة لبرناند شو تلك التي يرى فيها أن “تضمين الكلام عددا من التلميحات الذكية يمكن أن يصنع من صاحبه رئيس حكومة، في حين أن تدوينها يحوله لمجرد كاتب”؛ وتبدو الانتخابات في النهاية اختيارا لأناس وظيفتهم الأساسية هي الكلام، باسم الشعب والأمة تارة، وباسم الشرعية والمؤسسات والسيادة تارة أخرى، وفي المحصلة هم ناطقون باسم هيئات وممكنات تتجاوز البشر الذين انتخبوهم إلى شيء هلامي أخرس، فبعد فرز نتائج الاقتراع وإعلان الفائزين، يكون الرهان الأساسي هو تشكيل فرقاء لهم ناطقون؛ ناطق باسم الأغلبية، وناطق باسم المعارضة، وناطق رسمي للحكومة، وكأن الانتخابات بمعنى مجازي مّا علاج لعلة العيي وتعطل اللسان، واكتساب جماعات بكماء ملكة التعبير.

من هنا يبدو الكلام في السياسة علة أساسية للحكم، ومن لا ينطق جهرا وأمام الناس بما يجعلهم يقتنعون، لا ينبغي أن يترشح لينوب عنهم في الكلام. والمنطق يقول بعد هذه المقدمات إن منتجي الكلام من روائيين وشعراء ونقاد وفلاسفة ومناطقة وعلماء اجتماع وسياسة… يجب أن يكون لهم النصيب الأوفر في “النطق” باسم الهيئات والجماعات الخرساء، لكن الواقع، كما حدست مقولة برناند شو، يؤكد أن أكثر الناس سقوطا في الانتخابات هم هؤلاء تحديدا، ربما لأن كلامهم ينبغي أن يبقى على الدوام حبرا على ورق، أو لأن الكاتب لا يصلح لأن يمثل سوى ذاته تحديدا، فقول الكاتب ليس نطقا باسم جماعة بقدر ما يمكن أن يكون فضحا لزيف الحديث باسمها. والجمهور غير معني بكلام الأديب في قضايا السياسة كثيرا، إنما هو معني بحديثه عن السياسي وسلوكه أساسا، سيما إن كانت في ذلك تعرية لمستور… لهذا يسعى السياسي جاهدا لاتقاء شر الأديب؛ كان الملوك القدماء يهابون الشاعر والخطيب والمترسل البليغ ليس لأنه ينقل الحقائق المخفية عن الناس، وإنما لأن له القدرة على تخييلها ببراعة مبهرة.

لكن في النهاية يبدو الكلام هنا مغامرة يخوضها صاحبها بشجاعة مهما كان الثمن، فالمجد يعلو على الموت والانتقام وحتى الرفاهية العابرة، بيد أن المفارقة تكمن في هذا الإصرار الدائم من قبل الجمهور على استبعاد السياسي البليغ والعارف، فمع تصاعد حمى الانتخابات بالمغرب وقرب اقتراع السابع من أكتوبر القادم، بدأت تظهر للعلن لوائح وأسماء يلمس المتابع فيها تراجعا مريعا للنخب المقترحة للنطق بلسان الأمة، تراجعا ليس جديدا، وإنما بدأ منذ نهاية التسعينات مع تغول المال السياسي، وتفكك أحزاب الحركة الوطنية التي طالما رشحت كتابا ومفكرين من عينة: عبدالكريم غلاب وعبدالله العروي ومحمد العربي المساري ومحمد الأشعري وعلي أومليل. بيد أن أمثالهم اليوم حجبوا بشكل كلي، حرصا من الأحزاب، ربما، على مواهبهم من مطحنة السياسة، وربما لتمكينهم من التحول إلى كتاب حقيقيين، دون السعي للنطق باسم شيء ما.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر