الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

سياج أخضر

رفقا بقلبي فقد نما مع كل وريقة وكتب تاريخ ميلاد كل وردة وشهادة نضوج كل غصن.. لا تقسُ على رقته.. فتكسر معه قلبي وتفجعني بالمزيد من الصدمات العاطفية.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/09/07، العدد: 10389، ص(21)]

يتسلقني الأخضر.. فأتوهـّم أنها خضرة روحي.. وأروح أنسج الخيوط وأمدّ الدعائم وأستمتع بجني أصابعي.. أطيل التأمل وأنا أراقب الأغصان الرفيعة تشـدّ عودها وتورق وتتفتح يوما إثر يوم.. ابتسم من القلب إذ يطالعني برعم وردة جديدة وتبهجني الألوان وتعطر يومي بأعذب الشذى..

ولا أدري لماذا لم أتعظ وربما لن أتعظ أبدا مما يحدث دائما ودون رحمة.. فمنذ أن غادرت وطني لم أعد أملك غير ذاكرة وحلم.. وهذا السياج الذي أسقيه دمعي كل يوم إن هو إلا سياج جاري الذي لا علاقة له بالخضرة واللون!.. ولن يفهم معنى أن “نزرع حيث أقمنا نباتا سريع النمو..”* لأوهم نفسي بفكرة الوطن.. لن يفهم أنني أغني لأوراقه كل يوم مثل أمّ تهدهد وليدها.. لن يفهم أنني إذ أفيق دون رؤياه فلن أكون إلا ثكلى بزروعي!

أمس.. وقد أفقت من نومي مفزوعة على صوت أجهزة ومقصات جاري الظالمة.. ركضت إليه.. وصرت أتوسله وأنا لا أعلم من أي نبع سال الدمع مدرارا سخينا “أرجوك سيدي.. أرجوك.. رفقا بقلبي فقد نما مع كل وريقة وكتب تاريخ ميلاد كل وردة وشهادة نضوج كل غصن.. أرجوك سيدي.. لا تقسُ على رقته.. فتكسر معه قلبي وتفجعني بالمزيد من الصدمات العاطفية.. لقد خسرنا كل شيء.. ولم نعد نملك إلا بعض أرواح تصر على البقاء.. وأشياء صغيرة نتشبث ببقائها لعلها تمنحنا شيئا من سعادات صغار.. ترفّق بقلبي سيدي فقد أودعته خضرة ونماء يذكراني بأصابع جدي وهي تحنو على النبت وبصوته الحنون وهو يردد مؤمنا أن الأغصان تسبح للرحمن..!”

يضحك جاري ضحكة عالية لا مبالية وهو يقول بثقة “ما بالك يا جارتي الرقيقة؟.. إن هي إلا أغصان لبلاب ستلملم نفسها وتعود لتخضرّ مرة أخرى ولو بعد حين!.. ثم ألا تجدين السياج أحلى من دونها؟”.

أنا أبكي وهو يضحك فأستحيلُ طفلة في الروضة وقد عاقبتها المعلمة على ذنب لم تقترفه!.. لا أحب الإحساس بالظلم.. فلماذا أنسى ما عشت من ظلم وقسوة وموت في وطني وأتشبث بغصن صغير قطعه جاري ليصبح الجار عدوي اللدود؟.. هل تتنامى الرهافة فينا إذ نكبر؟.. أم إنها تتفاقم إذ نبتعد عن ترابنا الأم؟.. وكيف لي أن أتخلص من غضبي الذي كلما سقيته دمعا كلما كبر واستحال حقدا لن يشفيه إلا البتر؟..

ويشخص ببالي سؤال جديد.. ولوم للنفس وعذل يقضّ المضجع “لماذا اتكلت على جذور جاري لأمتع قلبي بخضرة هذا السياج؟.. كيف لم أحسب حسابا لآخرين لن يفكروا مثلي ولن يفهموا معنى تعلقي بوريقات صغار؟.. ويحل الجواب أقسى من فكرة لومي وسؤالي الموجع.. “وهل أملك المكان والزمان لأعيش يومي كما أحب وأزرع قلبي وأمد جذوري في أرض ستبقى أرض سواي؟..”.

لقد عشت وهمَ الخضرة وأنا لست ابنتها ولا أمها وليست الأرض أرضي وليس لي فيها من سياج!.. ولكن متى كان الوطن أرضا وزرعا فقط؟.. تمنيت من صميم روحي ألا يحس أولادي بما أوتيت من ضياع.. وألا تكون فكرة الوطن موجعة لهم مثلما توجعنا..

صباحكم وطن جميل..

تضمين من قصيدة لمحمود درويش

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر