الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

مهرجان فينيسيا بعد 30 عاما

أصبح من المتوقع أن يوقفك رجل الشرطة ليقوم بتفتيشك وتفتيش الحقيبة الصغيرة التي تحملها، ورغم توفير إدارة المهرجان المزيد من قاعات العرض الإضافية لاستيعاب جمهور أكبر.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/09/07، العدد: 10389، ص(16)]

أكتب من مهرجان فينيسيا السينمائي الذي اكتشفت أنه قد مرت ثلاثون عاما منذ أن بدأت أتردد عليه، وهو المهرجان الأقدم بين مهرجانات السينما في العالم، فقد تأسس عام 1932، تحت اسم “الموسترا”، (أي المعرض)، على غرار معارض الفنون التشكيلية، إيمانا بأن فن السينما يستحق عرض أعماله في “معارض” خاصة مثل الفنون الرفيعة، ولا تزال التسمية قائمة حتى اليوم.

وقد توقف المهرجان عدة مرات، خاصة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، كما توقف عن منح جوائزه في عدة سنوات نتيجة مشاكل أخرى داخلية، ولذلك فالدورة الحالية هي الثالثة والسبعون بدلا من أن تكون “الرابعة والثمانين”.

ولا شك أن المهرجان شهد الكثير من التغيرات خلال الثلاثين عاما الماضية، وهي تطورات ترتبط بتطور فن السينما نفسه، وزيادة الاهتمام الإعلامي به، فقد أصبح عدد الصحافيين والنقاد الذين يتابعون أفلامه مثلا، يربو على الأربعة آلاف، بعد أن كان لا يتجاوز ربع هذا العدد.

غادر المهرجان موقعه التاريخي في جزيرة الليدو من قبل، لكنه كان دائما يعود إليها إلى أن استقر فيها، رغم أنها ليست الجزيرة الأهم، ففينيسيا التاريخية هي في الجزيرة الأخرى التي توجد بها ساحة سان ماركو بكنوزها المعمارية والتاريخية الشهيرة، ولكنها لا تبعد أكثر من عشر دقائق بالحافلات البحرية عن الليدو.

من المعالم الجديدة التي فرضت نفسها على المهرجان، زيادة جرعة التسليع، أي تحول القطاع الأعظم من شاطئ البحر أمام قصر المهرجان، إلى مربعات ومكعبات خشبية ضخمة يتم تأجيرها لشركات الدعاية والمطاعم والمقاصف وشركات التلفزيون، حيث أصبح من المتعذر رؤية البحر الذي كان في السابق مفتوحا، رومانسيا، تتهادى على شاطئه فتيات إيطاليا الحسناوات.

كان المهرجان قد بدأ قبل سبع سنوات في أعمال الحفر لإنشاء مقر جديد للمهرجان، لكن اكتشف المهندسون وجود مادة الاسبيستوس الضارة تحت الأرض، فأوقفوا العمل إلى أن اكتشفوا أخيرا إمكانية ردم الحفرة وإنشاء حديقة فوقها تتوسطها دار للعرض السينمائي!

وكان المهرجان قد عرف قبل عشر سنوات قيودا أمنية مشددة مع تهديدات تنظيم القاعدة بشن هجمات في أوروبا، فبعد أن كنا ندخل قاعات العروض السينمائية في هدوء وبساطة، وضعت بوابات إلكترونية، فرض علينا المرور عبرها مع أجهزة أخرى لفحص حقائب اليد، وبعد أن كانت الحافلات التي تنقلنا من الطرف الآخر من الجزيرة، حيث توجد معظم الفنادق، تتوقف أمام قصر المهرجان، أصبحت تقف على مسافة نحو 150 مترا منه.

أما اليوم بعد “غزوة باريس” كما يطلق عليها مجرمو تنظيم داعش الإرهابي، ثم اعتداء نيس الوحشي، فقد فرضت المزيد من الإجراءات الأمنية من جانب شرطة المدينة، حيث منعت الحافلات من دخول نطاق المهرجان، وأصبح يتعين المشي لمسافة ما يرقب من كيلومتر للوصول إلى قصر المهرجان، كما منعت كل السيارات من عبور الحزام المضروب حول منطقة المهرجان، مع انتشار ملحوظ لرجال الشرطة المدججين بالأسلحة.

وأصبح من المتوقع أن يوقفك رجل الشرطة ليقوم بتفتيشك وتفتيش الحقيبة الصغيرة التي تحملها، ورغم توفير إدارة المهرجان المزيد من قاعات العرض الإضافية لاستيعاب جمهور أكبر، إلاّ أن الوصول إليها يتطلب الوقوف لفترة طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة مع ذلك الارتفاع الكبير المشهود في درجات الحرارة في إيطاليا، بل وأوروبا كلها مع ما نراه عاما بعد عام، من ارتفاع في درجة حرارة الأرض.

يتصور الكثيرون أن نقاد السينما يعيشون أياما سحرية وسط أجواء مهرجان فينيسيا وغيره من مهرجانات السينما، لكنني أقر بأنها رغم ما فيها من جمال التلاقي بين القلوب والعقول والبشر، بين صناع الأفلام وعشاقها، إلاّ أنها أصبحت محنة حقيقية تتطلب الكثير من الجهد والعرق، ولكن على الصعيد الأمني، لا يمكنك أن تشكو أو تتذمر، فكل ما تراه هو نتيجة ما يرتكبه الذين سمحوا لأنفسهم أو سمحنا لهم، باختطاف الإسلام.. أليس كذلك؟

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر