الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

القردة والعجوز

قصة العجوز والقردة تحولت إلى درس اعتمدته بعض الشعوب، دون أن تعي أن المسألة ليست مجرد عجوز وقردة وموز وغابة وأقفاص، وإنما هناك الرؤية والفكر والفلسفة.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/09/07، العدد: 10389، ص(24)]

صديقي الذي يعتبر نفسه ديمقراطيا فوق العادة لا يرى مانعا من اعتماد كل الطرق والأساليب لتحقيق أهدافه الديمقراطية، لأنه يعتقد أن الديمقراطية هي أن تجد مساحة للتحرك من أجل الوصول إلى السلطة بكل الوسائل الممكنة، فالمهم بالنسبة إليه هو ألا يكون هناك نظام دكتاتوري مستبد يمنعه من تحقيه هدفه.

صديقي هذا يرى أن الحاكم الدكتاتوري هو ممثل السلطة الأبوية داخل الأسرة، وموته أو استبعاده، يعني أن يترك الفرصة للأبناء كي يتصارعوا على نصيب كل منهم من الميراث، وقد يبدو الأمر صعبا على الاستيعاب إذا كان الوالد مزارعا، لأن الأرض ستنتهي إلى البيع، وما يجمع الأبناء سيصبح مجرد فضاء افتراضي لا علاقة له بميراث الوالد ولا بتراث الأسرة.

في كتاب “من الدكتاتورية إلى الديمقراطية” يروي جان شارب أسطورة سيد القرود وهي أسطورة صينية من القرن الرابع عشر كتبها ليو جي، حيث كان هناك رجل إقطاعي عجوز يعيش بفضل قردته التي تقدم له الولاء والطاعة، فكان يجمع القردة كل صباح في ساحته ويأمر أكبرها أن يقودها إلى الغابة لجمع الفاكهة من الأجمة، وكان سيد القرود يفرض على قردته قاعدة وهي أن يقدم كل قرد عشر ما جمع إليه، والويل لكل من يتخلف بجلده دون رحمة، كانت معاناة القردة جسيمة ولكن لا أحد منها كان يتجاسر على الشكوى، وفي يوم من الأيام طرح قرد صغير سؤالا على بقية القردة: هل زرع الرجل جميع أشجار الفاكهة والأجمة؟ فأجابته: لا، إنها تنمو وحدها. فقال القرد الصغير: لماذا إذن نعتمد على الرجل العجوز؟ ولماذا علينا أن نخدمه؟ فقررت القردة الانقلاب على صاحبها، وفرت من أقفاصها التي مزقتها ليلا إلى الغابة ليموت العجوز جوعا.

قصة العجوز والقردة تحولت إلى درس اعتمدته بعض الشعوب، دون أن تعي أن المسألة ليست مجرد عجوز وقردة وموز وغابة وأقفاص، وإنما هناك الرؤية والفكر والفلسفة، وهناك المشروع والهدف والظروف والمعطيات الداخلية والخارجية، فالديمقراطية التي بشرت بها القردة في كتاب شارب انطلاقا من أسطورة صينية، لا يمكن أن تكون النموذج الذي يحتذى به، خصوصا وأن حاجات القرد الغرائزية ليست ذاتها حاجات الإنسان.

ما كان يهم جان شارب في كتابه هو التبشير بديمقراطية القردة التي روى قصتها، دون أن يعرض علينا ما حدث لها بعد أن انقلبت على العجوز الذي كان وحده من يمتلك عقلا داخل الأسطورة، ولكن بقية القصة عرفتها من صديقي الديمقراطي الذي لا يرى مانعا من التحالف مع شياطين البحر والبر والجو، ومع عصابات الداخل والخارج لخدمة مشروعه، فالديمقراطية بالنسبة إليه هي أن يصارع من أجل السلطة وأن يصل إليها عبر فضاء مفتوح للجميع.

قلت لصديقي سنكون قردة صاحبك جان شارب إذا صدقناك فعلا، لكنني ومعي الكثير نعتقد أن الاستمرار تحت ظل العجوز وحكمته يبقى أفضل بكثير من التمرد على خطى القردة التي لا أحد يروي لنا ما حدث لها بعد أن ركزت الأسطورة على جانب واحد فقط من مسيرتها الديمقراطية وهو خروجها من بيت الطاعة.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

:: اختيارات المحرر