الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

خالد تكريتي يستنطق الأسود في تجلياته الرمزية

  • من أجل قراءة الأعمال الجديدة للفنان السوري خالد تكريتي يجب أن نخرج من منطق الألوان الاعتيادي، ليصبح الأسود مفهوما فيزيائيا-فلكيا له أهمية في تأثيث عالم تكريتي الذي سيظهر جليا في آخر أعماله في “غاليري كلود لومان” الباريسية، والتي باتت تمثل الفنان بدلا عن غاليري “أيام” اللندنية الشهيرة، وهو الذي كانت له ثلاثة معارض سابقة في بيروت، هي “المرأة” و”جدتي وأنا” و”لول”.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/09، العدد: 10391، ص(17)]

نساء متشحات حتى الأعماق بالسواد

باريس - وضع العالم ماكس بلانك قانون “إشعاع الجسم الأسود”، معتبرا أنه ليس كل أسود اللون يمكن اعتباره جسما أسود فيزيائيا، الأجسام السوداء هي مُمتصات ومُصدرات مثالية للطاقات التي امتصتها، تماما كما تفعل نساء خالد تكريتي في لوحاته الأخيرة.

“الأجساد السوداء” في لوحاته، وهو تعبير مُستعار من عالم الفيزياء، هو ممثل على أكمل وجه بمجموعة من النسوة تنفرد كل واحدة منهن بلوحة ويجسدن بطلتهن القوية غياب الضوء بأطيافه المرئية.

المرأة في لوحات تكريتي “بشرية”، ولكنها ذات ثقل أيقوني وتتميز بكثافة عالية وقدرة جاذبية هائلة جدا، على عكس أحلك ما تعايشت معه بشكل طاقة تفرضها أمام الناظر إلى اللوحات، من هنا قد يشعر الناظر ”بمخملية” الأسود، كمادة أولية ووجودية أكثر مما هو كسوة جارحة، بالرغم من نعومة الملمس-المظهر.

تجربة خاصة

المرأة في لوحاته متشحة حتى الأعماق بالسواد، تنظر إلى المشاهد بنظرة شاهد مزدوج، فهي من ناحية تشاهد العتمة التي تشربتها مع مرور الزمن مُتفاعلة معها بجرأة قوامها وبالاعتراف البطولي بفداحة الأسود الذي وجد طريقه إليها، مُخرجة إياه إلى العلن، أسود تعايشت معه حتى الاتحاد دون أن يؤدي إلى اختناقها.

الوشاح الشفاف الذي يحيط بالمرأة وبوجهها في اللوحة، أشبه بسحب كونية تخفي أكثر مما تشير

ومن ناحية أخرى تقف المرأة في اللوحة كشاهد على الأسود الذي تفشى من حول مُشاهد اللوحة: عبارة عن توالي الموت المُفتعل بشريا، والمُصمم ليكون فضائعيا حتى في أبسط تجلياته أمام الآخرين.

سيعتبر البعض عندما يرون الأعمال التي ستعرض في النصف الثاني من الشهر الأول من العام القادم، بأن الفنان تحوّل في مساره الفني الذي شهد سابقا توظيفه للألوان الصارخة وتأثره بـ”البوب آرت”، غير أن هذا لا ينسجم مع الواقع، إذ منذ إطلالته الأولى عُرف عن الفنان شغفه برسم البورتريهات، لا سيما تلك التي تخص عائلته، فالواقعية التعبيرية ليست غريبة عنه إطلاقا، وهي تعود مُدوية في مجموعته الجديدة.

يقول الفنان عن معرضه القادم بعنوان “النساء والحرب” وقد “استوحيته من تجربتي الخاصة، وبالأخص تجربة والدتي عندما كان عمري 10 و11 سنة، أي حينما بدأت الحرب الأهلية في لبنان، أتذكر والدتي، المرأة اللطيفة الودودة والسيدة الجميلة التي كانت بعمر صغير (30 سنة)، أتذكر كيف نسيت نفسها وأنوثتها وكانت لديدها رسالة أهم، وهي إنقاذ عائلتها، كانت مسؤولة عن ابنها وعلى إخراجه من الجحيم، من المحنة تحولت إلى وحش يريد حماية نفسه وعائلته”، وهو ما يتلاقى في المعرض مع ما يحدث في سوريا، حيث من بين لوحات المعرض لوحة تحمل عنوان “تحية إلى حلب”.

من ضمن المجموعة يحضر عمل محوري يظهر امرأة مجللة بالسواد، وقد تكون الأجمل بين نساء لوحات الفنان، خلافا لكل النسوة ثمة قسوة وتعال على الجرح يرشحان من ملامحها.

تعالٍ يبدو أنه بات مع الوقت تكتما وتحجرا لا سبيل إلى فكاكه، وحين سؤاله عنه أجاب الفنان باختصار مفيد “إنه العمل الوحيد الذي يعود إلى 10 أعوام سابقة.. اللوحة-الأم التي أنجبت باقي اللوحات”، باقي اللوحات حيث ترّق ملامح النسوة وترتسم على وجوههن ابتسامات رجاء أو حزن فيه الكثير من الحنين.

خالد تكريتي: أتت فكرة 'البقجة' من خلال ارتباطها الأساسي بالنساء والحرب

من ناحية فيزيائية يبدو “أسود” هذه المرأة مختلفا عن باقي اللوحات، إنه مادة لا تعكس الطاقة كما تفعل نساء اللوحات الأخريات، أسود شبيه بالمادة المُظلمة التي مازالت تحيّر حتى الآن علماء الفلك والفيزياء، قيل إنها مادة تنتشر بكثرة وفيرة في الكون، وتشير الأبحاث الأخيرة إلى انتشارها على الأرض أيضا، حيث أنها مادة تصطدم بأجسادنا البشرية.

المادة الداكنة

يحلو للعلماء القول “إننا على الأرض نتقدم وسط ضباب كثيف من هذه المادة المُظلمة، ولكننا لا نشعر بذلك”، ويعتبر العلماء أن أثر هذه المادة قد لا يكون جليا على إنسان واحد، بقدر تأثيره التراكمي على العرق البشري.

قد يكون الأمر معكوسا عند الفنان خالد تكريتي، إذ أن هذه المرأة-المادة الغامضة لها تأثير مباشر في شخصه وفي تشكيل عالمه الفني، لا سيما في معرضه الأخير المتحدث عنه، حتى أن الوشاح الشفاف الذي يحيط بها وبوجهها هو بدوره أشبه بسحب كونية تُخفي أكثر مما تظهر.

صالة العرض ستكون منقسمة إلى قسمين، قسم تُعرض فيه لوحات النسوة، وقسم آخر يقدم فيه الفنان لوحات تمثل “البقجة” التقليدية رفيقة الرحلات، ولكن أيضا رفيقة الهجرات القسرية.

يعلّق الفنان “كل إنسان ولو لمرة في حياته قرر ترك كل شيء خلفه من أجل بداية جديدة، من هنا أتت فكرة ‘البقجة’، هذه فكرة مرتبطة بشكل أساسي بالنساء والحرب، اخترت القماش الحموي لتلك البقج، قماش سوري تقليدي مطبوع بشكل يدوي، في البعض من اللوحات قمت بترقيم البقجة بحرف وبلون أحمر في إشارة إلى أنها تخص شخصا معينا”.

أغلب الظن أن هذا “الشخص المعين” الذي يشير إليه الفنان هو الفرد في خضم الجموع المحتشدة خارج منازلها، المغادرة أراضيها والمتجهة إلى المجهول قد لا يكون برحابة الكون، ولكنه حتما مُشبع بسواد لا قرار له.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر