الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

سوداوية ضاحكة

'البوب آرت' العربي يتميز بعناصر كثيرة مشتركة مع نظيره الغربي، ولكن ما يشفع له أنه في أعمال البعض من الفنانين، من أمثال خالد تكريتي وغيره من الفنانين الموهوبين، له بريق خاص يحتفي بمصداقيته.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/09، العدد: 10391، ص(17)]

تعرفت وأنا في الثالثة عشرة من عمري على فتى سوري ظريف، حدث ذلك في باريس، حيث اختار أهلي المكوث حتى انقضاء الحرب اللبنانية، غير أننا لم نستمر في باريس أكثر من سنة لاعتقاد والدي بأن الحرب شارفت على الانتهاء، في حين أنها كانت لا تزال تتحضر إلى الأعظم.

تواصلنا من خلال عدة رسائل ومن ثم جرى انقطاع دام أكثر من ثلاثين عاما، لم يكسر هذا الانقطاع إلاّ صدفة ذهابي إلى معرض تشكيلي لأكتشف أن الفتى الظريف عينه قد صار فنانا باسم خالد تكريتي.

كان هذا الاكتشاف مؤثرا جدا بالنسبة إلي، أول ما ورد في خاطري “ها قد التقينا من جديد بعد كل هذه السنوات، وحول اهتمام واحد”.

لا أخفي بأنني في البداية أصبت بخيبة أمل عندما ألقيت نظرة خاطفة على الأعمال المعروضة، قلت في نفسي “بوب آرت يا خالد! ماذا حدث لك؟”، فأنا لا أحب، لا بل أكره فن “البوب آرت” بجميع أشكاله، لكن بسب اهتمامي بالفنان بدأت أتمعن في لوحاته.

شيئا فشيئا بدأت أرى في أسلوبه الفني خصوصية فنية تعتمد على استنباط معالم بدا أن الفنان عرفها جيدا ولم يستعرها من فنانين بوب غربيين، وإن ظهر تأثره جليا بهذا النمط من الفن.

كما عثرت على قدر كبير من الذكاء في دمج البصريات وتظهير آرائه حول مفهوم السرعة، والبطء، والأثر السلبي لتقنيات التواصل الاجتماعي وتأثيرات ألعاب الفيديو، وهوس اللحاق بالموضة الرائجة، وتقلبات المزاج الشخصية والازدواجية في المعايير الثقافية ومفارقات العلاقات الاجتماعية، ومظاهر الحريات الشخصية وانعدامها على السواء، وكل ذلك بأسلوب لا يخلو من السخرية السوداء والخفة.

منذ ذلك اليوم، لا أقول إنني أصبحت من محبي “البوب آرت” لا سيما الغربي منه، ولكنني بت بالتأكيد أكثر انفتاحا على التجربة المعاصرة والشرق أوسطية في هذا المجال.

هناك كم هائل من أعمال “البوب آرت” العربي التي اعتمدت “نسخا” شبه كامل لمنطق البوب الغربي، حيث عمد البعض من الفنانين، على سبيل المثال، إلى سذاجة نقل صورة الفنانة أسمهان أو كوكب الشرق أم كلثوم ولصقها ضمن خلفية تعج بالزخارف الشرقية، علما أن ليس إغراق صور المشاهير العربية بالزخارف كفيل بأن يجعلها لوحات ذات مزاج أو هواجس شرقية، خاصة عندما يقوم بذلك فنانون عرب.

ومع ذلك، ثمة لوحات أخرى مهمة يمكن أن نعتبرها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”البوب آرت” العربي المعاصر، الفن الذي بات له مذاقه الخاص وطروحاته الخاصة، نذكر منها مجموعة لوحات للفنان الفلسطيني أسامة دياب بعنوان “ماذا حدث هنا؟”، أعمال تقارب الألم بحكمة لافتة، ولوحات الفنان السوري قيس سلمان التي قدمها جارحة بألوان صارخة تحت عنوان “مجتمع متحضر”، ظهّر من خلالها الفساد بجرأة وخاصة الفساد السياسي العربي والعالمي على السواء.

ونذكر أيضا الفنان السوري إلياس إيزولي في معرضه “تواصل” الذي اعتمد فيه تقديم أعمال فنية تميزت بألوان قوية يحاكي فيها إنتاج الفنان السوري لؤي كيالي، حيث ظهرت في لوحات الفنان إيزولي العديد من شخصيات الفنان الراحل، شخصيات حزينة، ولكن تحت وقع أحزان مُضاعفة مُتأتية من ظروف العالم العربي المعاصر الغارق في العتمة.

شخصيات تحمل أجهزة كمبيوتر أو هواتف جوالة أو وجبات سريعة أميركية في إشارة إلى ظاهرة العولمة التي اجتاحت العالم، الحزن الذي تضاعف في تعابير الوجوه والوضعيات الجسدية للشخصيات، هو أبرز دليل على أن البهرجة اللونية التي هي أكثر ما يميّز “البوب آرت” لا تجيء حكما انعكاسيا أو منطلقا للسعادة.

من المؤكد أن "البوب آرت" العربي يتميز بعناصر كثيرة مشتركة مع نظيره الغربي، ولكن ما يشفع له أنه في أعمال البعض من الفنانين، من أمثال خالد تكريتي وغيره من الفنانين الموهوبين، له بريق خاص يحتفي بمصداقيته.

فن يشترك في تشكيل ملامحه المرح والألم، والعبث والقلق، والعاطفة المتأججة، ولكن أيضا نكرانها بسوداوية ضاحكة غير مُضحكة.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر