الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

'العرب' في مشعر منى: نجاح موسم الحج حتمية لا فرضية

  • ليس من السهل استقبال أكثر من مليون حاج وضمان سلامتهم وأدائهم مناسك الحج، ومع ذلك تحرص المملكة العربية السعودية كل سنة على تلافي أخطاء السنة التي قبلها وتحسين الوضع بطريقة تركز بالأساس على التيسير على الحجاج، وهو أمر تقوم به السعودية بالتنسيق مع البلدان الإسلامية، ما يؤكّد أنها لا تستفرد بتنظيم الحج كما ادعى المرشد الأعلى الإيراني ومسؤولو نظامه؛ ويؤكّد على ذلك حجاج ومسؤولون التقتهم "العرب"، وبعضهم أدى مرارا فريضة الحج، وأشادوا بالتحسينات الحاصلة سنة بعد أخرى.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/09/09، العدد: 10391، ص(7)]

استعداد على قدر المسؤولية

منى (السعودية) - يدرك الداخل إلى مشعر منى المقدّس هذه الأيام حجم العمل المبذول من قبل السلطات السعودية لتلافي تكرار فاجعة الازدحام الموسم الماضي ولتجنّب أي حوادث أخرى قد تعكّر صفو أداء الركن الخامس من أركان الإسلام.

وفي لقاء حضرته “العرب” في المؤسسة الأهلية لمطوفي حجاج الدول العربية -قطاع شمال أفريقيا- أشار المهندس نواف بن فوزي نائب المشرف على القطاع إلى أنّ المملكة العربية السعودية أدخلت إصلاحات جديدة وتحويرات للتخفيف من الاكتظاظ سواء منه لدى المشاة أو لدى الحافلات القادمة إلى مشعر منى من صعيد عرفة عبر مزدلفة.

ولاحظ أنّ السلطات السعودية وضعت بوابات حديدية أوتوماتيكية أمام بعض المخيمات، وذلك قصد السيطرة على نسق التدفق البشري والحيلولة دون الازدحام المفضي إلى حوادث بشرية.

بيّن المهندس خطّة النقل المعتمدة لبلدان المغرب العربي (تونس – ليبيا – الجزائر – المغرب – موريتانيا)، مشيرا إلى وجود تسهيلات في منظومة الترحيل من عرفة إلى مزدلفة ومنها إلى منى، وذلك عبر زيادة مرآب حافلات للحجيج الجزائريين وتقريب آخر لمخيمات الحجيج المغاربة وفتح طريق جديد لتسهيل الانتقال إلى مزدلفة.

ركن من أركان الحج
شراء الهدايا والتذكارات تقليد يواكب شعائر الحج
مكة المكرمة (السعودية) - ينفق المؤمنون سنويا الآلاف من الدولارات للقدوم إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، في تكلفة لا تقتصر على تذكرة الطائرة والإقامة، بل تشمل تخصيص موازنة لا بأس بها للعودة حاملين هدايا وتذكارات.

ويقول المالي سيدي مختار دمبيلي (54 عاما) إنه أنفق إلى الآن ما يوازي 760 يورو (أكثر من 850 دولارا) لشراء “الكثير من السبحات” وسجادات الصلاة وتذكارات، يعتزم إهداءها لعائلته وأصدقائه في مالي بعد إتمامه مناسك الحج التي تبدأ السبت.

ويؤكد مفتش الجمارك الذي ارتدى زيا أفريقيا تقليديا أزرق ووضع على رأسه قلنسوة بيضاء، أن شراء التذكارات بمثابة واجب ديني.

ويضيف في شارع مكتظ بالمتاجر الصغيرة في مكة، أن “هذا ما أوصانا به النبي محمد. علينا أن نحمل الهدايا إلى العائلة والأصدقاء”.

ويوافق الرأي المهندس المصري محمد حسن، البالغ من العمر 61 عاما، الذي يؤكّد بدوره أنه يستحيل عدم شراء الهدايا “لأنها ستكون تذكارات تفخر بها العائلة والأصدقاء ولها قيمة حقيقية، لا تقدر بثمن”.

ويوضح حسن أن موازنته للهدايا والتذكارات تبلغ “ثلاثة آلاف ريال سعودي”، أي ما يقارب 800 دولار. ويضاف هذا المبلغ إلى زهاء 6800 دولار هي كلفة تذكرة السفر والإقامة في مكة والمدينة المنورة.

ويمضي العديد من الحجاج أعواما في إدخار المال اللازم لأداء هذه الفريضة، ومنهم المصري جمال حمادة القادم مع زوجته.

ويقول “عملنا أعواما طويلة لنوفر كلفة الحج”، ومن الطبيعي بعد هذه التجربة، أن يعودا إلى مصر حاملين التذكارات. وإضافة إلى البعد الديني للحج، أحد الأركان الخمسة للإسلام والذي يجب على من استطاع من المؤمنين أن يؤديه على الأقل مرة واحدة، باتت هذه الشعائر فرصة اقتصادية تستفيد منها المملكة العربية السعودية التي تسعى إلى تنويع مصادر دخلها في ظل انخفاض أسعار النفط الذي يشكل الجزء الأكبر من الإيرادات الحكومية.

وبحسب غرفة التجارة والصناعة في مكة، أنفق الحجاج الأجانب خلال العام 2015، زهاء 20 مليار ريال سعودي (نحو 5.4 مليار دولار)، يضاف إليها أكثر من مليار ريال أنفقه الحجاج السعوديون.

ولاحظت المملكة في “رؤية السعودية 2030" الاقتصادية التي أطلقتها في وقت سابق هذه السنة، تعزيز السياحة الدينية في مكة والمدينة. ومن الأهداف الموضوعة، زيادة عدد المعتمرين إلى 15 مليون شخص سنويا بحلول سنة 2020، بدلا من ستة ملايين في الوقت الراهن.

ولا يقتصر ما تعرضه متاجر مكة على السبحات البلاستيكية أو الساعات المنبهة بحسب المواقيت الخمسة اليومية للصلاة، فعلى مقربة من المسجد الحرام، يعرض باعة على بسطات على الأرض، البخور المستخدم بشكل واسع في الخليج، وعود السواك لتنظيف الأسنان، والذي يعتبر استخدامه سنة نبوية.

فيما ستحافظ تونس على نفس الموقع الاستراتيجي لمرآب الحافلات وهو موقع متميّز حيث أنّه متاخم لمخيمات الحجيج التونسيين ومتمركز على حدّ نهاية صعيد عرفة بشكل يمكّنهم من الانتقال السلس إلى الحافلات التي عادة ما تكون الأولى على رأس طوابير الحافلات المتجهة نحو مزدلفة.

ويقوم المؤمنون بالطواف تباعا على مدار الساعة حول الكعبة، حيث تتوافر أماكن عديدة لشرب المياه، في أجواء يغذيها هواء بارد من مكيفات الهواء. ويؤدي العديد من المؤمنين غير القادرين على المشي، الطواف على متن كراس متحركة يدفعها أقاربهم أو عمال آسيويون.

وبحسب السلطات السعودية، وصل عدد الحجاج حتى إلى قرابة 1.5 مليون حاج، بينهم أكــثر من 1.3 مليون شخـص قادمين من الخارج.

عمل مضاعف

مدن كاملة من الخيام البيضاء المتراصة والمتتالية، هو المشهد اليوم في عرفة ومزدلفة ومنى، فيما يقف أعوان الأمن والجيش على طول الطريق الرابط بين المشاعر في محاكاة ليوم النفرة ولأيام التشريق.

ولئن كانت خيام مزدلفة على أتم الاستعداد لإيواء الحجيج فإنّ مآرب التوقف، حيث ينزل الحجيج لأداء صلاتي المغرب والعشاء وجمع الحصى لرمي الجمرات، بدورها مؤمنّة لا سيّما وأنّها ستحتضن ما لا يقلّ عن 100 ألف حافلة في إطار مكاني وزماني محدّد.

أمّا مشعر منى فقد استحال منذ حادثة منى العام الماضي إلى خلية نحل من البناء والتشييد، حيث وقعت توسعة الطريق الذي شهد الفاجعة. كما تمّ تشييد طرق فرعيّة عديدة ذات اتجاه “ترجّل” واحد.

ينظر نوفل السمراني، رئيس البعثة الطبية لحجيج تونس، إلى توزيع مخيمات منى على الحجيج التونسيين، قبل أن يقول مشعر منى يفرض منّا عملا مضاعفا لا فقط لطبيعة السكن حيث سيتحوّل الحجاج من الفنادق المريحة إلى المخيمات، ولكن أيضا لأنّ درجة الحرارة التي من المتوقع أن تبلغ أكثر من 40 درجة مئوية خلال أيام المناسك يمكن أن تؤدي إلى شحّ الجسم من الماء وحالات إغماء وضربات شمس وارتفاع الحرارة وغيرها.

ويضيف أنّ البعثة التونسية، على غرار البعثات الأخرى، ستركزّ عيادات طبية في مشعري عرفة ومنى لرعاية الحجيج، مشيرا إلى أنّ خطا مباشرا يربط البعثات الطبية بالهلال الأحمر السعودي، وذلك لاستحثاث عملية إغاثة المرضى.

وكما هو الشأن في كلّ موسم حج، تنشر السعودية أفرادا من الكشافة السعوديّة على كامل صعيد المشاعر المقدسة. وكلفت الرياض نحو 7 آلاف كشاف في أبرز المواقع بتقديم يد العون للحجيج خاصة عند الضياع عن المخيمات وفي الجانب الصحيّ. ونفذت فرق الكشافة السعودية طيلة الأسبوع الجاري عمليات إغاثة وهمية تأهبا لأي طارئ قد يحصل أثناء موسم الحجّ.

وفي شهادة أخرى، أكّد سامي الحلوي، مسؤول النقل والتصعيد والتفويج في بعثة تونس لحج 2016 لـ”العرب” أنّ النقل يمثّل الحجر الأساس لإنجاح موسم الحجّ لا سيّما وأنّ البعثات ستجد نفسها أمام مرحلتين مهمتين؛ المرحلة الأولى تتمثّل في التصعيد من مكة المكرمة إلى عرفة قبل الانتقال إلى المشاعر المقدسة الأخرى (رحلة الذهاب) والمرحلة الثانية تتشكّل في تنزيل الحجيج من مشعر منى إلى مكة المكرمة (رحلة الإياب).

كما أشار إلى ضرورة أن يتقلّص ضغط النقل بالحافلات على منظومة التصعيد والتفويج عبر دعوة الحجيج إلى العودة إلى مكة المكرمة بعد رمي جمرة العقبة ومن ثمة العودة ثانيا إلى منى، إضافة إلى الانتقال مشيا، لا سيّما وأنّ المسافة بين منى ومكة لا تتجاوز سبع كيلومترات.

واجب ديني ووطني

“النجاح حتمية وليس فرضية”، قد تكون هذه العبارة هي كلمة السرّ في الأداء السعوديّ يوم فقط قبل يوم التروية -الثامن من ذي الحجة- حيث تعرف السعودية جيّدا أنّ المتربصين والمتصيدين كثيرون ولكنها متيقنة أنّه لا مجال للأخطاء والهفوات التي قد تستثمر سياسيا وخارجيا، لا سيّما بعد أن انبرى المسؤولون الإيرانيون من المرشد الأعلى إلى رئيس الدولة ووزير الخارجية، وغيرهم من المسؤولين والتابعين، طيلة الأيام الماضية يطالبون بـ”تدويل الحج”، دون أن يجدوا صدى.

ساعة الصفر قربت، وكلّ من في المملكة العربية السعودية يدرك أنّ نجاح موسم الحج أولا وقبل كل شيء واجب ديني، ثم واجب وطني يأتي ليكون خير ردّ على كل المشككين والراغبين في استثمار أي وسيلة أو فرصة ضدّ السعودية، كما أن نجاح موسم الحج يأتي ليضع قيادة البلد التي تسطر لبنات إصلاحات هيكلية شاملة نحو 2030، على القاطرة الصحيحة للتأصيل والتأسيس.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر