الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10671

الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10671

من أفلامكم سلط عليكم

الواقع القاسي الذي تمر به مصر والشباب المصري الذي يشكل القطاع الأكبر من مشاهدي الأفلام، يؤثر في بنية الفيلم ومحتواه وأشكاله.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/09/14، العدد: 10394، ص(16)]

لا شك أن المرحلة الحالية التي تعيشها مصر اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، وهي مرحلة تتصف بالتخبط وانعدام الوزن، تلقي بظلالها بقسوة على السينما المصرية وأفلامها، فالأفلام نتاج واقعها، خاصة الأفلام التي يقال عنها “تجارية”، أي تلك التي تسعى للوصول إلى أكبر شرائح من الجمهور العريض.

ولا شك أن الواقع القاسي الذي تمر به مصر والشباب المصري الذي يشكل القطاع الأكبر من مشاهدي الأفلام، يؤثر في بنية الفيلم ومحتواه وأشكاله، ويدفع إلى السطح بأفلام تتسم بالترويج للقيم الهروبية، سواء من خلال “كوميديا التهريج” التي تخلو تماما من الأبعاد الإنسانية، وتميل إلى ابتكار وسائل الإضحاك المبتذلة، أو موجة “أفلام البلطجية”، أي الأشقياء الخارجين عن القانون الذين لا يتورعون عن عمل أي شيء للحصول على ما يريدون.

فأصبح أشهر نجوم المرحلة الممثل محمد رمضان، بعد أن تخلى عن قيمة التمثيل الذي برز فيه في أول أفلامه “الخروج من القاهرة”، وهو فيلم شديد الأهمية والجرأة (علاقة حب كاملة بين مسيحية ومسلم من الطبقات الشعبية وما ينتج عنها)، ولا يزال ممنوعا من العرض لأسباب ذات علاقة بالتخلف الفكري العام الذي صارت إليه المنظومة الثقافية بأسرها، وذلك الصمت المخزي الذي يصل إلى حد التواطؤ بين المثقفين الذين يعتبرون أنفسهم من التقدميين، والسلطة التي كثيرا ما تمارس القمع بخاتم المؤسسة الدينية (سجن الباحث والإعلامي إسلام البحيري نموذجا).

ولا يعنينا هنا الحديث عن استقلالية القضاء في مجتمع كان قد عرف منذ بدايات القرن العشرين رسوخا للقضاء، فانتهى الأمر إلى أن أصبح القضاء نفسه خاضعا للسلطة منذ 1954، ولكن هذا موضوع آخر طويل!

الكثير من الأفلام التي شاهدتها مؤخرا، تكرر نفس القوالب والأنماط التي سادت في المرحلة السوداء في تاريخ السينما المصرية التي عرفت بمرحلة “سينما أثرياء الحرب”، أي تلك الأفلام الكثيرة التي ظهرت في زمن الحرب العالمية الثانية عندما كان من المتعذر استيراد الأفلام الأجنبية.

وينسى كثيرون أو يتناسون عمدا، أن تلك السنوات وما بعدها بقليل، كانت هي التي شهدت الارتفاع الكبير في عدد الأفلام المصرية التي كانت تنتج سنويا مقارنة مع ما سيصبح عليه الحال في ما بعد، وصولا إلى الزمن الحالي، حيث تقلص عدد دور العرض بدرجة مخيفة، قياسا إلى عدد السكان، بل واختفت تماما تلك الدور من عواصم البعض من المحافظات المكتظة بالسكان.

وبعد أن كان قد ظهر في فترة ما، خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، منتجون سينمائيون متخصصون في السينما فقط، يعرفون أسرارها ويفهمون أبعادها ويهبون حياتهم وأموالهم لها، أصبح هناك اليوم ذلك المنتج الطفيلي المتطفل الذي يمارس الإنتاج السينمائي كنشاط جانبي إلى جانب نشاطه التجاري الأصلي، كتاجر لحوم مثلا، أو كتاجر عملة، أو حتى كتاجر مخدرات يريد “تنظيف” أمواله، وهؤلاء لا يهمهم سوى حشد أكبر قدر من الإثارة ومشاهد الرقص والتهريج المفتعل، والمشاجرات وإرساء فكرة أن من يكسب في النهاية هو الأكثر نذالة ووضاعة.

كمتابع لأحوال السينما المصرية منذ سنوات بعيدة، أعتقد أن أفضل وسيلة لاكتشاف مدى ما وصلت إليه السينما المصرية في تيارها العريض، هو تأمل أسماء الأفلام الجديدة التي تظهر يوما بعد يوم، ولدينا هنا بعض الأمثلة الواضحة ذات الدلالة على ما بلغته حالة العبث واللامبالاة والرغبة في مداعبة الغرائز والإضحاك بأي ثمن.

لنتأمل القائمة التالية مثلا “سالم ابن أخته”، “الخلبوص”، “سعيكم مشكور يابرو”، “يوم مالوش لازمة”، “نوم التلات”، “بارتي في حارتي”، “كدبة كل يوم”، “كنغر حبنا”.. وفي الطريق “حنكو في المصيدة”!

الأمل معقود فقط على المحاولات الجادة القليلة التي يقدمها بصعوبة بين فترة وأخرى، عدد من السينمائيين الجادين أمثال داود عبدالسيد وأحمد عبدالله وإبراهيم البطوط ويسري نصرالله وهالة خليل وغيرهم، وأسماء أفلامهم بالمناسبة تختلف كليا عن الأسماء التي يطلقها منتجو “سينما الهلس” على أفلامهم، ولعل في هذا دلالة بنيوية لا شك فيها!

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر