الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الاتفاق الروسي الأميركي أو تطويع ثورة سوريا دوليا

الاتفاق الأميركي- الروسي، أظهر حقيقة حاول الطرفان كسرها، وهي تطويع الثورة السورية. ومهما قيل في تحكم الأطراف الإقليمية في هذه الثورة، فالثابت أن توصيف الإرهاب شكل معيارا لوصف من هم خارج التحكم والسيطرة.

العرب علي الأمين [نُشر في 2016/09/14، العدد: 10394، ص(8)]

لم يكن وقع الاتفاق الأميركي- الروسي بشأن الهدنة في سوريا على النظام السوري محل اهتمام كبير. مرتبكا بدا وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، عند إعلان الاتفاق مع نظيره الأميركي في ساعات الليل الأخيرة من مساء الخميس، حيال إعلان موافقة نظام بشار الأسد على الاتفاق. الجميع بات يدرك أنّ اللعبة الدموية على ضفة نظام الأسد، باتت في يد روسيا وإيران والميليشيات المذهبية التي تستقطبها إيران من أنحاء العالم الإسلامي بشعار الدفاع عن المقامات الشيعية في سوريا.

لهذا بدت روسيا مطمئنة وغير عابئة بما يفترض أن تقرره السلطات السورية. كأن تطلب السلطات السورية البعض من الوقت لدرس الاتفاق كي تبني على الشيء مقتضاه، كما فعلت المعارضة السورية التي بدت أكثر تحررا من الراعي الأميركي وكانت معنية أكثر من النظام بمناقشة الاتفاق وتدارسه. وليس خافيا أنّ الاتفاق بين موسكو وواشنطن لا يريح المعارضة، وإن كان يأتي تحت عنوان وقف سفك الدماء، ومنع طائرات الأسد من التحليق وضرب مواقع المعارضة أو بالأحرى ضرب المدنيين. باعتبار أنّ الطائرات السورية باتت تقتصر طلعاتها إلى حدّ كبير على رمي البراميل المتفجرة أو الصواريخ العشوائية، والتي بات العالم يعرفها من دون حاجة إلى شرح مستوى الإجرام الذي تنطوي عليه.

في المقابل أبدت المعارضة، سواء عبر الهيئة العليا للمفاوضات أو عبر ائتلاف قوى المعارضة السورية، موافقتها على الهدنة ووقف الهجمات، فيما أظهرت نوعا من التردد حيال الفصل بين فصائل معتدلة وأخرى إرهابية وتحديدا جيش الفتح الذي سيبقى عرضة لهجمات عسكرية من قبل الجيش الروسي وبالتنسيق المباشر مع القوات الأميركية. الموافقة المبدئية أُرفقت بمواقف تتصف بعدم ثقة قوى المعارضة بالتزام الأسد. فثمّة اعتقاد لدى هذه الفصائل بأنّ الاتفاق لا يساوي في تصنيف الإرهاب، فيقصر التوصيف على جيش الفتح فضلا عن تنظيم داعش، ويعفي الميليشيات المذهبية والقادمة من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، من هذا التصنيف ولا يأتي على ذكرها بتاتا. كما أنّ حجم ارتكابات نظام الأسد، بحسب أوساط المعارضة السورية، يجعله بالمعيار القانوني والإنساني الإرهابي الأول في سوريا.

الاتفاق الذي بدأ تطبيقه مساء الاثنين، وجد بطبيعة الحال من حاول عرقلته، علما أنّ أحدا من الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة لا يدرك أنّ ثمّة حاجة روسية للإمساك بخيوط اللعبة السورية والإقليمية. حاجة يشكل الاتفاق أحد أدواتها وليس كلّها. فالقوات الروسية تريد أن تستثمر في تدخلها، بما يجعلها شريكا للإدارة الأميركية في لحظة ضعف أميركي عشية الحسابات الانتخابية الرئاسية وتعقيداتها من جهة، ومن جهة أخرى بأن تفرض على إيران إيقاعها في إدارة المعركة، بمنع إيران من استثمار قواها البرية في فرض شروطها كطرف مفاوض أو مساو للروس في سوريا. روسيا من جهة تريد أن تبقى الطرف المقبول من مختلف القوى الإقليمية، ومن جهة ثانية تريد استثمار العداء الإيراني للإقليم العربي بما يتيح قبول الدور الروسي مهما بلغ مستوى إجرامه في سوريا.

التسليم بالمرجعية الأميركية الروسية هو قصارى ما تهدف إليه سوريا، وعدم الوقوع في انتكاسة تؤثر على حملة الحزب الديمقراطي هو ما تطمح إليه واشنطن اليوم. لذا فإنّ مسار الأحداث لا يدفع نحو تفاؤل واقعي بإمكانية الحديث عن انطلاق قطار التسوية، بل أقصى ما يمكن توقعه هو هدنة تتطلبها ظروف خارجية أكثر منها سورية، وبالتالي السعي إلى رسم خطوط التماس وتحديدها حتى تتضح صورة المشهد الأميركي. مشهد لا تزال الدول الإقليمية، ومنها روسيا، تريد أن تطمئن إلى السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس الأميركي العتيد. ذلك أنّ ثمة من يعتقد عربيا وإقليميا أنّ باراك أوباما استثناء في مسار السياسة الأميركية ولا يمكن أن يكون ما بعده امتدادا له بالمعنى الاستراتيجي، سواء حيال مستقبل النظام السوري، أو تجاه روسيا، وحتى حيال الاتفاق النووي الإيراني.

الانتظار والترقب ومحاولة حماية ما تم كسبه من أوراق في الميدان، هي كل ما ينتظر المشهد السوري في الأيام المقبلة. تركيا تمددت في سوريا وضمنت إلى حدّ بعيد أمن حدودها الجنوبية، والرياض أعادت تأكيد دعم خيار المعارضة السورية، وعمدت نحو دفع رموزها إلى الواجهة الدولية. وكان مؤتمر لندن الأخير للمعارضة السورية خطوة على هذا الصعيد. أما إيران فقد زادت من تحشيد الميليشيات المذهبية، مع محاولة استثمار نفوذها العسكري والمالي لتثبيت واقع عسكري وديموغرافي على امتداد الحدود السورية مع لبنان ودمشق، وصولا إلى الجنوب السوري. من هنا شهدت مناطق الجنوب السوري بداية تحركات عسكرية، وهذه المرة تحت عنوان ضرب تنظيم داعش الذي نشط في هذه المنطقة مع انسحابه من الشمـال السوري. لكن الجنوب السوري، حيث يشكل حساب الأمن الإسرائيلي الأولوية التي يجب أن يحترمها الجميع، لن يشهد على الأرجح تطورات عسكرية نوعية ما دامت إيران ملتزمة بتعهداتها لروسيا ولإسرائيل بعدم قيام ميليشياتها بأيّ تحركات يمكن أن تعتبرها إسرائيل مصدر تهديد لها.

الجنوب السوري -كما الوسط وصولا إلى الشمال- بات إلى حدّ بعيد مقسما بين أطراف إقليمية تشكل روسيا عنصر التواصل فيما بينها وبإشراف أميركي. الجنوب تحكمه معادلة إسرائيلية بمشاركة إيرانية وإشراف روسي على ما يتصل بأمن إسرائيل، أما الوسط والساحل فتتشارك روسيا وإيران في السيطرة على معظم أراضيه، ولا سيما أنّ تنظيم داعش يبقى خارج معادلة الضغط العسكري وفي صلب الاستثمار السياسي، أمّا الشمال السوري فتشكل تركيا فيه عنصرا محوريا من دون أن يلغي ذلك عنصر النفوذ الإيراني الذي خسر في الشمال أكثر من 75 بالمئة من جنوده وطاقاته العسكرية والمالية.

الاتفاق الأميركي- الروسي، أظهر مجددا حقيقة حاول الطرفان كسرها، وهي تطويع الثورة السورية. لكن مهما قيل في تحكم الأطراف الإقليمية بهذه الثورة، فالثابت أنّ توصيف الإرهاب شكل معيارا لوصف من هم خارج التحكم والسيطرة وليس مستوى الإجرام. طاعة النظام السوري والتزامه بما تقرره واشنطن وموسكو جعلاه خارج التصنيف، لكن المعارضة بفصائلها المختلفة أظهرت أنّها أكثر التصاقا بشعبها وأكثر انحيازا لحقيقة أنّ إرادة السوريين هي من تقرر مصير سوريا وليس الحسابات الإقليمية والدولية فحسب. لذا فالثورة السورية هي أمام فصل جديد عنوانه التطويع باسم الإرهاب، فيما الآخرون عاجزون عن فرض نظام مصالحهم. علما أنّ الأسد لم يعد أكثر من صورة لتغطية الارتكابات ضد الشعب السوري، لكن هذه الصورة باتت مهترئة إلى الحدّ الذي بات ما يسمى حلفاؤه يبحثون عن بديل لها.

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر