الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

محمد عسيري: لابد من تأسيس اتحاد للكتاب السعوديين

  • يشغل المبدع دائما سؤال في الكتابة عن جدوى كل ما يكتبه ويؤمن به، عن مدى الفراغ بين لحظة الكتابة ولحظة التلقي، وعن قدرة ما يصنعه على التغيير أو إيقاف الفوضى التي تجتاح العالم، وكذلك عن ذاته وعوالمه الخاصة وأسرته وأصدقائه. “العرب” توقفت مع القاص السعودي محمد أحمد عسيري للحديث حول تجربة الكتابة وجدواها.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/09/14، العدد: 10394، ص(15)]

سينتصر الإبداع والفن وستشق المرأة طريقها

(جازان) السعودية - بعد أن أصدر مؤخرا، عن دار أثر السعودية، مجموعة من النصوص المفتوحة حملت عنوان “يغفو الشتاء في أبريل”، التي أتت بعد مجموعتين قصصيتين “روائح مبعثرة” 2012 و”رقصة الغجر” 2014، يقرر القاص والكاتب السعودي محمد أحمد عسيري (مواليد جازان 1976) التوقّف عن الكتابة، شاكرا كل من قرأ له وتابعه وآمن به، معتذرا من كل الذين خذلهم.

فبعد تنقّله بين عدد من الصحف المحلية وإصداره الأخير، يرى الكاتب أن الأسرة والحياة والالتزامات اليومية هي أجدى من كل شيء. ويقول لـ”العرب”، “حاليا سأتفرغ لأسرتي وللركض في دهاليز المستقبل الذي أصبح بلا معالم. أحتاج لبعض الأمان والكتابة لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى منه. ولن يغفر لي ابني إن لم يجد في خزانة والده عندما يكبر غير بعض الكتب. ربما أستعيد عافيتي يوما وأعود كما بدأت”.

يغفو الشتاء

تبدو نصوص أحمد عسيري “يغفو الشتاء في أبريل” موغلة في السؤال الإنساني المحتمل لجميع التأويلات، فهي نصوص تقف على الحافة متحدية الهاوية الإنسانية من جهة، وفاتحة الأمل على الحياة من جهة ثانية، حيث جاءت على شكل جمل تأمّلية مسكونة بلغة عالية.

وفي بداية حوارنا مع عسيري توقفنا عند هذه النصوص ليحدّثنا عن مناخاتها قائلا “كتاب ‘يغفو الشتاء’ ظهر فجأة دون سابق إنذار أو تخطيط. مجرد نصوص مهملة رفضت عتمة الأدراج المهملة، وقررت أن تصنع لنفسها وجودا. هذه النصوص بدأت تتشكل في الشتاء بينما كان هو يستسلم لغفوته الطويلة في أبريل”.

وعادة، تذهب التجارب الإبداعية للقاصّين باتجاه تجربة العمل على كتابة الرواية، معتبرين أن القصة القصيرة هي تدريب على العمل أشمل سيأتي لاحقا.

لكنّ ضيفنا اختار منصة مفتوحة التأويل، لتقدّم كتابه الجديد تحت عنوان “نصوص”، متخلّصة بذلك من ثقل التصنيف وفاتحة ذراعي القراءة لمناطق مختلفة. ويعلّق عسيري حول هذا الشأن “الرواية عمل مؤجل ولكنه يلح عليّ كثيرا، في كتاب ‘يغفو الشتاء’ حاولت أن أتحرر من قبضة التصنيف. أردت أن أجرّب التحليق في فضاء مفتوح بلا حدود أو قيود. صدّقني تجربة أن تكتب نصّا وأنت لا تفكر في شكله النهائي أو معالمه، هي شعور جميل. ربما أردت أن أصنع لنفسي مساحة حرة أعبث فيها دون أن يتلصص عليّ أحد ويضعني في زاوية التصنيف”.

الثقافة ليست فرض رأي أو تبنيا لوجهة نظر أحادية بل هي تبني أمة، وتكون أكثر فاعلية بفتح أبواب الحوار

ويتابع عسيري قوله “أما القصة القصيرة، بالنسبة إلي فهي قدري الذي اخترته بصدق. حتى وأنا أعمل على كتاب ‘يغفو الشتاء’ كانت حاضرة من خلال مجموعة ثالثة لا أعلم متى تخرج للنور؟.. القصة القصيرة بالنسبة إليّ عالم يملأه السحر وحتى وإن تحول كتابها إلى الرواية، إلا أنها هي أول حروف الإبداع وآخر نقطة فيه. يكفي أنها السبيل الوحيد الذي يجعلني ألمس السماء وأنا فوق الأرض”.

ويتفاءل قاصنا محمد أحمد عسيري بالمشهد السردي المعاصر، ويرى أنه في تطوّر مستمر منذ ثمانينات القرن الماضي بالرغم من ازدهار الفنون الأخرى وخاصة الرواية، لافتا إلى أن القصة القصيرة تتطور مستدلا على ذلك بالعديد من الأسماء المميزة من الجنسين، والتي أضافت لها الكثير في السنوات الأخيرة. وهو أمر طبيعي، في رأيه، أن تخفت قليلا في ظل تطور الرواية، ولكنها سرعان ما تستعيد توهّجها.

منفتحون على الآخر

قادنا الحديث مع ضيفنا إلى مآلات حركة الحداثة في السعودية، وعن الهجوم الشرس الذي قامت به رموز تيار الصحوة الدينية على مكتسباته الثقافية، على مستوى الفنون والفلسفة والمرأة. ويرى عسيري أنه “لا أحد ينكر أن وباء الصحوة سمّم روح الإبداع لفترة طويلة. لقد استطاعت الصحوة تهشيم ذائقتنا وكتم أنفاسنا بلا وجه حق. كنا كالآلات نتلقى معلومات دون التفكير فيها أو تحليلها”.

ويضيف ضيفنا “لكن اليوم أصبحنا أكثر وعيا. لم تعد تنطلي علينا تلك الخطابات الجافة التي تهدف إلى تكبيل أرواحنا. لازلنا نعاني، ولكن في الأخير سينتصر الإبداع والفن وستشق المرأة طريقها وتعود إنسانيتنا إلى حالتها الطبيعية بعد أن كنا قد فقدناها. نحن اليوم أكثر انفتاحا على الأدب والفن وعلى الآخر الذي طالما كنا نتوجّس منه”.

القصة القصيرة عالم يملأه السحر

على مدى سنوات سابقة شارك المثقفون والأدباء السعوديون في مؤتمر المثقفين السعوديين، الذي اتفق فيه جميعهم على ضرورة إيجاد مظلة تلم شتاتهم وينضوون تحتها، وذلك عبر تأسيس اتحاد للكتاب السعوديين، غير أن الأمر لاقى تحفظات كثيرة من جهات رسمية، ولم ير النور إلى الآن، حيث ستحتضن الرياض أواخر هذا العام مؤتمرهم الخامس.

وعن هذا المؤتمر يعلّق عسيري قائلا “متى ما أراد المثقفون صدقا تأسيس مظلة تلم الشتات فإنهم يستطيعون ذلك، شريطة أن يكونوا متحدين وينبذوا الخلافات السطحية في ما بينهم. يجب أن تكون هناك قضايا مصيرية تجمع شتات المثقفين عوضا عن البحث عن مناصب الأندية الأدبية أو حضور المؤتمرات والمعارض. التحليق بشكل منفرد لن يصل بنا بعيدا. يجب أن يتنازل الجميع ويؤمن بأن الثقافة ليست فرض رأي أو تبنيا لوجهة نظر أحادية. الثقافة الحقيقية هي التي تبني الأمة. الثقافة تكون أكثر فاعلية بفتح الحوار مع كل الأطياف والعمل على بناء قاعدة قوية. هذه الفُرقة بين المثقفين تجعلهم غير منتجين وغير مشاهدين”.

وبسؤال عن قراءته للتواصل الثقافي الإنساني التاريخي بين مثقفي السعودية في الجنوب وبين مثقفي اليمن، لا سيما في ظل التشابه الكبير في رسم معالم التجربة الأدبية بينهما بعد أحداث الربيع العربي، وبعد أحداث اليمن الأخيرة، يجيب ضيفنا “لا أعتبر نفسي مثقفا، ولكن بحكم المتابعة، فعلا لا توجد علاقة وثيقة. فاليمن يظلّ رافدا مهمّا لتدعيم الثقافة المجاورة له. لقد تأثر وبشكل واضح أبناء المنطقة بأدباء اليمن وتلقفوا منهم واندمجوا مع ما أنتجوه على كافة الأصعدة. مؤخرا تراجع هذا

التقارب بحكم الأحداث الحاصلة وهذا أمر طبيعي. ولكن في المجمل، هناك رصيد كاف امتد عبر عقود. هذا الرصيد لن تمحوه الأحداث القائمة. فوسائل التواصل تؤدي الغرض الآن في تبادل المعارف عبر الحدود. ويظل الأدب اليمني حاضرا دائما من حيث القيمة الفنية. ونأمل في أن يعود كل شيء إلى سابق عهده من أجل اليمن والإنسان اليمني”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر