الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

من النهضة إلى الصحوة

المجتمع الذي عاش فيه جرجي زيدان لم يكن جاحدا ولا متعصّبا مثلما هو اليوم، بالرغم من تواضع أعداد المتعلمين آنذاك، وندرة من أتيحت لهم فرص ولوج الجامعات.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/09/14، العدد: 10394، ص(15)]

حين نعيد التأمل في مفهوم الكاتب النهضوي، في السياق العربي الراهن، نكاد نجزم بأنه تحول إلى مجرد صيغة ذهنية. إذ قُدّر الكاتب العربي، الذي يحلم بالحرية والعدالة والمواطنة وفصل الدين عن الدولة، أن يعيش معزولا وفي مواجهة دائمة مع محيطه الضيق قبل المجتمع ومؤسسات الدولة، بل إن قدر المؤسسين للنهضة الحديثة، أن يعيشوا هذا التراجع الثقافي الشامل بمحاربة تراثهم وتلفيق الأضاليل عن اجتهاداتهم ومقاصدهم الفكرية والمعرفية، بعد مرور عقود طويلة من الزمن على رحيلهم. ذلك ما تعرض له تراث طه حسين وقبله سلامة موسى وجرجي زيدان وغيرهم الكثير.

والحق أنه إذا حاولنا تمثل حقيقة الوضع الفكري للمجتمعات العربية اليوم، فيمكننا ذلك عبر مراجعة ما كتبه المؤرخون العرب عن هؤلاء الرواد؛ وعن جرجي زيدان تحديدا، فلقد لفت انتباهي وأنا أعدّ دراسة عن هذا الأخير، أن ثلاثة أرباع الأبحاث التي أنجزت عنه بالعربية سعت للانتهاء إلى نتيجة واحدة، تتكرر بصيغ مختلفة، مفادها أن الكاتب والمؤرخ والصحافي اللبناني، المسيحي الديانة، كان يستهدف تشويه التاريخ الإسلامي وتحريف وقائعه، والزيغ بصور أبطاله إلى أهداف عقدية، مسيحية تارة وماسونية تارة أخرى، وإن لم يفعل ذلك فهو على الأقل كان مؤرخا واقعا تحت تأثير المعرفة الاستشراقية ذات الغايات الاستعمارية، وحتى تلك الأبحاث القليلة التي تناولته بموضوعية لا تكاد تقدم أطروحات شاملة عن مجمل إنتاجه الروائي والتاريخي والصحافي، بما هو كل متضامن، وإنما تفصّله إلى أجزاء وتكتفي بتسليط الضوء على رواياته التاريخية دون سواها، نائية بنفسها عن الخوض في كتاباته الفكرية والسياسية الأخرى.

بطبيعة الحال صدرت أغلبية هذه الآراء الطاعنة في جوهر اجتهاده عن مؤلفين، تخرج جلهم من جامعات دينية، قبل أن ينتشروا في أقسام اللغة العربية على امتداد الوطن العربي، حيث شرعوا في مراجعة فكر النهضة وتسفيهه واتهام رواده بالعمالة للغرب، مستبدلين مفهوم “النهضة” بمفهوم “الصحوة” الذي لا نعثر له في أيّ من لغات العالم سوى على معنى سريري، يمكن أن نربطه، (لاتصال السياق بذلك)، بهواجس الجماعات الدينية واستيهاماتها وأحلامها الحسية المتصلة على الدوام بالنوم والسرير.

ولم يكن المجتمع الذي عاش فيه جرجي زيدان جاحدا ولا متعصّبا مثلما هو اليوم، بالرغم من تواضع أعداد المتعلمين آنذاك، وندرة من أتيحت لهم فرص ولوج الجامعات، وضيق دائرة مستهلكي الصحافة والأدب. لهذا كان بديهيا أن يلقى التقدير من محيط اعترف بدوره النهضوي، فكانت وفاته حدثا فاجعا، هز الوسط الثقافي والسياسي، فرثاه كبار شعراء النهضة من أحمد شوقي إلى حافظ إبراهيم، مرورا بخليل مطران ومن في مقامهم من شعراء وناثرين.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر