السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

زمن هارون الرشيد

لا يزال التاريخ يذكر هارون الرشيد على أنه صاحب حكمة ودهاء وقوة وقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، كما كان عربي الوجه واليد واللسان، اجتث شأفة الشعوبية.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/09/15، العدد: 10395، ص(24)]

بمرور يوم أمس الأربعاء الرابع عشر من سبتمبر 2016، يكون قد مرّ 1230 عاما على تولي هارون الرشيد الحكم، ليكون خامس الخلفاء العباسيين، والقائد الذي لا يزال يحظى بالهيبة والوقار في نفوس المؤرخين، يجذب إليه اهتمام كل من يقترب من سيرته، ولو من خلال الخيال الذي حبّر حكايات “ألف ليلة وليلة” فقُدّم لنا في صورة الأمير القلق الذي يطلب السلوى فيأتيه وزيره جعفر البرمكي ببعض رواة العصر وسمّاره، مثل الأصمعي وأبي نواس وإسحاق الموصلي، ليقصوا عليه أغرب القصص والأخبار، أو يدفعه الأرق إلى التماس السلوى بالطواف ليلا في أنحاء عاصمة ملكه، حيث يتفقد أحوال رعيته مصحوبا بوزيره جعفر وسيّافه مسرور ومغنيه إسحاق وغيرهم، فيشهد الأحداث المثيرة ويسمع الحكايات الأثيرة.

ومع أن البعض يرى في قصص “ألف ليلة وليلة” تشويها لصورة هارون الرشيد، إلاّ أن الواقع يؤكد عكس ذلك، فالأساطير التي تروى عنه، جعلته ينتقل إلى أغلب ثقافات العالم، ويتحول إلى أيقونة أدبية، كأي إنسان عظيم على امتداد التاريخ، يأخذ منه خيال الناس مأخذه، ويصوره بالشكل الذي يحب، مستفيدا في ذلك من الغموض الذي عادة ما يحيط بالعبقريات الإنسانية الفذة.

وهارون الرشيد، ارتقى سدة الخلافة وهو في الثانية والعشرين من عمره، فكان أول قرار أصدره هو العفو العام عن المساجين، ثم انطلقت سلسلة إنجازاته ومنها إنشاء بيت الحكمة في بغداد، وإنارة ليل المدينة بالقناديل، وتطوير الزراعة من خلال إنشاء الجداول والاهتمام بالأنهار ومصادر الري، وارتقى بمجالات التبادل التجاري بين الولايات، واهتم بالعمران فبنى المساجد والقصور ودور العلم، وكانت له نظرة متقدمة إلى السياسة الخارجية فتبادل البعثات الدبلوماسية وخاصة مع الدولة الرومانية، وشجع العلوم والاختراعات، حيث لا يزال التاريخ يذكر قصة الساعة التي أرسلها هدية إلى ملك فرنسا شارلمان، والتي تشير كتب التاريخ إلى أنها أثارت دهشة الملك وحاشيته، واعتقد الرهبان أن في داخل الساعة شيطان يسكنها ويحركها، فجاؤوا إلى الساعة أثناء الليل، وأحضروا معهم فؤوسا وحطموها، إلاّ أنهم لم يجدوا بداخلها شيئا سوى آلاتها.

وأنهى الرشيد الفتن الداخلية عندما أعلن الحرب على الخوارج، فأرسل جيشا للقضاء على جيش الوليد بن طريف الشاري، حيث يروى أنه عندما خرج وبغى وحشد جموعا كثيرة، أرسل إليه هارون الرشيد جيشا كبيرا يقوده يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني فجعل يخاتله ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد فأغروا به الرشيد وقالوا “إنه يراعيه لأجل الرحم، وإلاّ فشوكة الوليد يسيرة، وهو يواعده وينتظر ما يكون من أمره”، فوجه الرشيد إلى يزيد كتابا، قال فيه “لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، ولكنك مداهن متعصب وأمير المؤمنين يقسم بالله، لئن أخرت مناجزة الوليد ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى بلاط ملكه”، فلقي يزيد الوليد، فظهر عليه فقتله عشية أول خميس في شهر رمضان في العام 179 هجري.

ومن أبرز قرارات الرشيد، تصديه للشعوبية وللنزعات الانفصالية، واعتقال البرامكة ووضعهم في السجن ومصادرة أملاكهم ومنع الشعراء من رثائهم، وإقامته منطقة العواصم، حيث منبج شمالي حلب، بهدف التصدي لإطماع الدولة البيزنطية التي كانت تناصب دولته العداء، كما قّوى من شوكة جيشه، ما أجبر ملك الروم نقفور على دفع الخراج والجزية.

لا يزال التاريخ يذكر هارون الرشيد على أنه صاحب حكمة ودهاء وقوة وقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، كما كان عربي الوجه واليد واللسان، اجتث شأفة الشعوبية، وحمى حدود دولته من مؤامرات الأعداء الخارجيين، وما انفك اسمه مرتبطا بالفن والحب والجمال، يلهم الخيال، ويثير الرغبة في الاقتراب أكثر من أسرار شخصه وعصره.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر