الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

كن ظلا

تعود إلى ذهني أعمال فنية رائعة للفنان تروي هويل وللفنان أوراثيو جنتيليتشي وللفنان جاك لوي دافيد وللفنان غوساب كرسبي وللفنان ويليام بوغيرو وغيرهم.. في تجسيدهم لأسطورة بسيكي وكوبيد الغنية بالأفكار والأصداء.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/16، العدد: 10396، ص(17)]

سألني أحد الأصدقاء في محاولة مُبطنة لاستمالة غير موفّقة “من هو الرجل المثالي بالنسبة إليك؟”.

أجبته “هو كالظل، حاضر بقوة، ولكن لا يظهر، إلاّ ليختفي”.

لم تكن إجابتي من باب التهكم، بل كانت صدى لتجارب وأفكار وأساطير ومشاهدات لأعمال فنية تعرفت عليها منذ زمن بعيد، ولا تزال تبني صروحها أمامي وأمام كل من ساورته نفسه عكس ذلك.

تعود إلى ذهني أعمال فنية رائعة للفنان تروي هويل وللفنان أوراثيو جنتيليتشي وللفنان جاك لوي دافيد وللفنان غوساب كرسبي وللفنان ويليام بوغيرو وغيرهم.. في تجسيدهم لأسطورة بسيكي وكوبيد الغنية بالأفكار والأصداء.

تخبر الأسطورة وباختصار شديد بأن أفروديت، آلهة الحب، اشترطت على بسيكي المرأة الجميلة والفانية، ألا ترى وجه زوجها الذي أرسلته لها بشكل وحش قبيح يقوم بزيارتها ليلا ليغادر عند كل صباح.

مع مرور الزمن أغرمت بسيكي لشدة ما أظهر لها زوجها من حب، غير أن الغيرة دفعت أخواتها إلى إخبارها بأن الوحش القبيح، الذي تتمنى أن ترى وجهه، يريد قريبا أن يقتلها، فما كان من بسيكي إلاّ أن انتظرت في الليلة التالية أن يخلد زوجها إلى النوم فأطلت عليه بسكين وقنديل مُضاء مما أجفل كوبيد الذي ظهر أمامها بوسامته الشديدة، ليقول لها بأنها خانته لأنها نظرت إلى وجهه، وأنه لذلك لن يتمكن من العودة إليها، ثم حلق بجناحيه بعيدا عنها.

من نافل القول إنه هكذا بدأت تعاسة بسيكي ورحلة سعيها إلى استعادة الألق المُتجسد برجل لا تراه إلاّ.. قليلا.

تُقرأ هذه الأسطورة بأكثر من طريقة وطريقة، منها أن الحب مصيره الزوال إن دخل في المعادلة اليومية-الروتينية المُعرّية للغموض والهادمة للشوق.

باستثناء التهديد الكاذب بقتلها الذي صدقته بسيكي، لكانت أفضل حالا مع من تحب دون أن تراه باستمرار ودون أن تتفقد ملامحه الواقعية بعيدا عن تخيلاتها، كان من الأفضل لها أن تنصرف إلى اهتماماتها وانهماكها بشؤونها الخاصة وبتذكية شوقها للقائه ليلة بعد ليلة.

من ضمن الأعمال الفنية التي جسدت هذه الأسطورة ربما تبقى لوحة أوراثيو جنتليشي عملاق الفن الإيطالي، الأبلغ فنيا ودلاليا لأسطورة بسيكي وكوبيد، إذ إضافة إلى كونها تضيف فصلا غير موجود للأسطورة الأصلية، تبدو كجزء بالغ الواقعية لناحية تصوير لحظة حاسمة بين الطرفين.

تبدو في اللوحة بسيكي في كامل ملابسها، أما كوبيد فيظهر شبه عار ويشي بهشاشة الإيروسية الذكورية، كما أن الضوء والظل في اللوحة يلعبان دورا هائلا في تشكيل البعد النفسي للمشهد، يصبح الظل في اللوحة هو الضوء الكاشف لفداحة انتهاك الغموض، أما الضوء فهو الظل الساحق الأكثر تسطيحا للواقع.

إضافة إلى ذلك تبدو تعابير وجه بسيكي الغارقة في الظل مشيرة إلى العتاب، بينما تظهر ملامح كوبيد، الهازم/المهزوم تحت سطوة الضوء المباشر، حالة من قنوط لا يخلو من بريق أمل استطاع بالرغم من ضآلته أن ينتشر في هيئة ضوء “مُمسرح” على نصاعة شرشف السرير، أما مُحرك هذا الأمل فما هو إلاّ تلاق، دون تماس، لوضعية أصابع يدي كوبيد وبسيكي.

المُتمعن في هذه اللوحة سيصغي إلى حوار مرئي ما بين الطرفين يحيله مباشرة إلى جزء من قصيدة للشاعر محمود درويش.

“ومن حسن حظي أني مازلت هشا

لأدخل في التجربة!

يقول المُحب في سرّه:

هو الحب كذبتنا الصادقة

فتسمعه العاشقة

وتقول: هو الحبّ، يأتي ويذهبُ

كالبرق والصاعقة

للحياة أقول: على مهلك، انتظريني

إلى أن تجف الثمالة في قدحي..

في الحديقة ورد مُشاع، ولا يستطيع

الهواءُ

الفكاك من الوردة”.

لذا، كيف لا يكون الرجل المثالي هو المُغادر دوما؟ فليطفئ الضوء، وليعود الغياب كشمس مُشرقة، فغدا يوم آخر.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر