السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

'همس الغابات' المغناطيسي يسمع في معرض لبناني

  • افتتحت مؤخرا صالة “جانين ربيز″ البيروتية معرضا مشتركا تحت عنوان “همس الغابات” للفنانتين كارين بولانجي، المولودة في بيروت، والفنانة اللبنانية-الكندية ماريا كازون، المعرض يضم لوحات بأحجام كبيرة مشغولة بالأكريليك والألوان الزيتية للفنانة بولانجي وتجهيزا فنيا للفنانة كازون يتوسط صالة المعرض، ويتواصل مع اللوحات بشكل عضوي ساحر.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/16، العدد: 10396، ص(17)]

عالم مقلق بهدوئه

بيروت - تدعو الفنانتان كارين بولانجي (1963) وماريا كازون (1976) زائري معرضهما المشترك المعنون بـ”همس الغابات” في صالة “جانين ربيز” البيروتية إلى الدخول إلى عالم مُقلق بهدوئه، كثير البوح بما حدث في أرجائه، ولكن في صمت مغناطيسي يستحضر أجواء القصص الخرافية وفصولها التي تحدث غالبا في غابات بعيدة لا يمكن لبطلة أو لبطل القصة أن يعود، أو “ينجو” منها دون أن يحدث تغييرا كبيرا في مسار حياته أو في طريقة رؤيته إلى الحياة بشكل عام.

المعرض هو أيضا أشبه بشذرات من سيرة ذاتية مزدوجة ومُتناغمة استطاعت الفنانتان أن تجعلا منها تجربة موحّدة وعامة تلاقي صداها في نفس الزائر، إذا ما تمعن في الأعمال المُختلفة فنيا وتقنيا والمجتمعة في صالة فنية واحدة، تحت عنوان واحد.

عُرف عن الفنانة كارين بولانجي انغماسها الدائم في البحث التشكيلي عن تجليات الضوء وتداعيات الظل وأثره في اللوحات، في سياق هذا البحث المتواصل استجلبت رقائق الألمينيوم والنحاس إلى لوحتها وجعلت من ظل أغصان الأشجار حضورا أكثر ثباتا من الأغصان ذاتها.

لا تلتفت إلى الوراء

المُطلع على أعمال الفنانة بولانجي السابقة ستذهله مجموعة رائعة من طيور الحمام وظلالها على الأرض، سيدرك أن إحساس الفنانة بالضوء والظل واللون الأبيض بشكل خاص ليس بالإحساس العابر، بل هو منطق له قوانينه الصارمة تشيّد الفنانة على أساسه عالمها الفني الذي لا يخلو من الشاعرية.

عالم كارين بولانجي يذكر بالفن الياباني من حيث تعبيرية اللون الأبيض الناصع في المشاهد الطبيعية، خاصة تلك التي لا ثلج فيها ولا أثر لمناخ شتوي، بل دفء غرائبي يرشح إما من داخل الفنان وإما من ظاهرة كونية ما قد تكون سكبت رملا سحريا على انسياب الزمن وحدود المكان فخدّرتهما كليا.

عالم كارين بولانجي يذكر بالفن الياباني من حيث تعبيرية اللون الأبيض الناصع في المشاهد الطبيعية

مجموعة اللوحات التي تعرضها الفنانة مستوحاة من حادثة حريق هائل حدث في الغابات المحيطة بمدينة سيدني الأسترالية سنة 2013، وذلك بعد قدومها إلى هذا البلد لتستقر فيه.

تقول الفنانة حول ذلك “تبدلت ألوان السماء، وانتشرت رائحة الخشب المحروق في كل الشوارع.. بالرغم من درامية الحدث لم أستطع إلاّ أن أرى، في الأخبار التلفزيونية، جمالية الألوان وتداخل ألسنة النار والخيالات المرتجفة والأضواء التي حولت المكان إلى ما يشبه الأسطورة”.

تضيف الفنانة أنها ذهبت في الأيام التالية لتتفقد المشهد عن كثب، فقابلها السكون الغرائبي الذي سعت لتستجلبه إلى لوحاتها المعروضة، لا شك بأن الفنانة استطاعت في هذه المجموعة أن تقبض على عصب التجربة الحسية من كل جوانبها: الصمت ونصاعة الأبيض وحيوية اللون البني الراكن تحت “جلد” الأشجار المحروقة وفي تكسرات الأغصان وخيالاتها، كل من رأى هذه الأعمال لن يشعر بالنكبة الواقعة بقدر شعوره بمفهوم ديمومة الغابة وانتصارها على النار.

تبدو خلفية اللوحات، التي غالبا ما اشتغلتها الفنانة برقائق معدنية ناصعة وهادئة ومُبسطة، قادرة على استجلاب نظر المُشاهد وإبقائه مُعلقا هناك لدقائق عديدة، مُكتشفا أن ما يشده إلى هذه الخلفية أنها تضفي اللامحدودية على المشهد، واللانهائية لزمانه.

فقاعات تتنفس

إذا وصفت كارين بولانجي أن “مجرد التقدم نحو عتبة الغابة يمنعك من العودة إلى الوراء لتجد نفسك في مواجهة قدرك”، فماريا كازون ليست بعيدة البتة عن هذا المنطق، فهي تقدم تجهيزا فنيا عبارة عن أغصان أشجار لملمتها من على شاطئ مدينة البندقية.

وجدت الفنانة أن تلك الأغصان تكتنز بريقا سحريا، ولكنها تخفي أيضا جانبا مظلما مرتبطا ارتباطا وثيقا بالقوى الظلامية ونزعة الشر.

تُعتبر ماريا كازون من أهم فناني “البرفورمانس” والتجهيز، وهي عادة ما تدعم أعمالها بصور فوتوغرافية ورسومات بأبعاد ثلاثية وبغيرها من التقنيات الحديثة.

ويأتي عملها التجهيزي هذا وكأنه استكمل أو نقطة انطلاق للوحات بولانجي، لذا وجب هنا تذكية براعة صاحبة الصالة في “لمّ شمل” أعمال الفنانتين لأجل تكثيف التجربة الفنية وإعطائها بُعدا مُضاعفا.

ماريا كازون تعتبر من أهم فناني (البرفورمانس) والتجهيز، وهي عادة ما تدعم أعمالها بصور فوتوغرافية ورسومات بأبعاد ثلاثية وبغيرها من التقنيات الحديثة

حصدت الفنانة الأغصان المُهملة وشكلتها حزما بشرائط سوداء اللون في عملها التجهيزي الذي لا يخلو من الشاعرية. تقول ماريا “كما قناني الزجاج المهملة التي تتقاذفها الأمواج، كذلك ترتمي الأغصان على رمال الشاطئ مُتكسرة، ومُنهكة، ومسودة ومُنتفخة بالماء المالح”.

تخلل التجهيز الفني المتمثل بالأغصان المشدودة كرات شفافة تشبه فقاعات الصابون، أو ربما فقاعات أوكسجين تؤكد أن الحياة لم تغادر تلك الأغصان، تقول الفنانة إن الأشجار أيضا تريد أن تغتسل اغتسالا شعائريا من التلوث العضوي والنفسي الذي أصابها وأصاب البشر على السواء.

قد يكون هذا التجهيز نوعا من الحلول في الطبيعة وتبني مصائرها وآلامها، ولكن أيضا انتصاراتها القدرية، لو رافق هذا التجهيز عمل سمعي يحاكي صوت فقاعات الصابون، لربما كان وقعه أكثر تأثيرا في نفس المُشاهد، ولم يكن ليتعارض أبدا مع لوحات كارين بولانجي التشكيلية.

يمكن اختصار أجواء هذا المعرض الثنائي بكل ما يغشاه من خوف مُخفف وسحر مُرابض في الزوايا بكلمات قليلة من قصيدة “لا تلتفت إلى الوراء”، للشاعر والروائي الألماني غونتر غراس عندما قال “لا تمضي إلى الغابة، ففي الغابة غابة/ ومن يمضي إلى الغابة بحثا عن الأشجار/ لن يُبحث عنه بعدها في الغابة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر