السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

لعبة كبيرة لحزب صغير بالمغرب

تصريحات نبيل بن عبدالله أظهرت حالة الارتباك التي يعيشها حزبه منذ تحالفه قبل خمس سنوات مع حزب العدالة والتنمية ودخوله الحكومة، والتخلي عن حلفائه في الكتلة الديمقراطية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/09/16، العدد: 10396، ص(8)]

في الوقت الذي كانت الأيام التي تسبق انتخابات السابع من أكتوبر القادم في المغرب شبه عادية في المشهد السياسي، حيث شرعت الأحزاب في تنظيم نفسها استعدادا لتلك الاستحقاقات، فإن نبيل بن عبدالله، أمين عام حزب التقدم والاشتراكية، المشارك في الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية، قد خلق الحدث السياسي بامتياز ومنح لتلك الاستعدادات الانتخابية طعما سياسيا خاصا، سيكون له من دون شك تأثير على مجريات الانتخابات القادمة، بل ربما على طريقة اصطفاف الأحزاب السياسية وعلى طبيعة الخطاب السياسي عموما.

وفي ما يشبه زلة لسان غير محسوبة أو محاولة لتسجيل نقاط سياسية قبل الانتخابات، انتقد أمين عام الحزب، نبيل بن عبدالله، المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، حتى دون أن يسميه بالاسم، حين اتهمه بممارسة التحكم والوقوف وراء تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، الذي لا يزال إلى اليوم يثير الجدل؛ حيث قال في تصريحات صحافية “مشكلتنا ليست مع الأصالة والمعاصرة كحزب، بل مع من يوجد وراءه ومع من أسسه، وهو بالضبط من يجسّد التحكم”.

وبالنظر إلى صدور تلك التصريحات عن أمين عام حزب يعد واحدا من الأحزاب المقربة من مواقع القرار، والتي استفادت طيلة مسارها السياسي من أفضال الدولة، ولقرب توقيتها من موعد الانتخابات، فقد بادر الديوان الملكي في سابقة هي الأولى من نوعها إلى إصدار بلاغ في الموضوع، إذ اعتبر أن تلك التصريحات مجرد “وسيلة للتضليل السياسي في فترة انتخابية تقتضي الإحجام عن إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة، واستعمال مفاهيم تسيء إلى سمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين”، والأكثر من ذلك أن البلاغ استهدف بشكل مباشر أمين عام الحزب، دون المساس بهذا الأخير، بحيث ورد فيه أن القضية “لا تخص إلا صاحب التصريحات، وليست لها أي علاقة بحزب التقدم والاشتراكية المشهود له بدوره النضالي والتاريخي”، والأمر يعني إشارة إلى عزل صاحب تلك التصريحات عن حزبه والتمييز بينهما، وهو أمر له دلالة سياسية لا تخفى.

وبادرت الصحيفة التي نشرت التصريحات إلى تقديم اعتذار، بإيعاز من نبيل بن عبدالله، الذي لم يصدر عنه حتى موعد كتابة هذا المقال أي اعتذار رسمي، ربما في انتظار اجتماع المكتب السياسي للحزب للبتّ في هذه النازلة، التي أربكته في هذه الظرفية السابقة للانتخابات، ووضعته في شبه مواجهة مباشرة مع المؤسسة الملكية.

تصريحات نبيل بن عبدالله أظهرت حالة الارتباك الكبرى التي يعيشها الحزب منذ تحالفه قبل خمس سنوات مع حزب العدالة والتنمية ودخوله الحكومة، والتخلي عن حلفائه في الكتلة الديمقراطية، خاصة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فخلافا للحزبين الآخرين المشاركين في الحكومة الحالية، الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار، بدا أن حزب التقدم والاشتراكية يتماهى بشكل تام مع الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية، ويتبنى مواقفه، بما في ذلك موقفه من خصمه السياسي العنيد ممثلا في حزب الأصالة والمعاصرة.

وفي الوقت الذي يعد الحزب من الأحزاب الصغرى التي لا تمثل أي ثقل وازن في الساحة السياسية، فإن هذا الانخراط في المعارك التي يخوضها حليفه الحكومي أظهره بمظهر من يحاول لعب دور أكبر منه بكثير وفوق حجمه الحقيقي، وذلك نتيجة وضع بيضه كاملا في سلة حزب العدالة والتنمية، الذي وجد في مشاركة الحزب إلى جانبه نقطة يسجلها على خصومه في المعارضة واليسار، خصوصا وأن حزب التقدم والاشتراكية ظل واحدا من الأحزاب التي تتبنى الخط الاشتراكي ويتباهى بمـاضيه عندما كان اسمه “الحزب الشيوعي”. وبالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، فإن تحالف الحزب معه عُدّ اختراقا يحسب له.

وبالرغم مما يبدو في تلك التصريحات من محاولة للعب دور فوق مقدرة الحزب، إلا أن الباعث عليها في الأصل هو موقف شخصي لأمين عام الحزب من المستشار الملكي، أكثر من كونها تعبيرا عن مواقف سياسية واعية ومقصودة. فقد ظل الحزب محسوبا على الدولة طوال عقود، وحتى عندما تشكلت حكومة إدريس جطو عام 2002 فقد رفض حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المشاركة فيها، وأصدر بيانا يندد فيه بتخلي الدولة عن “المنهجية الديمقراطية”، وبادر الحزب إلى التخلي عن حليفه وشارك في تلك الحكومة، دون أن يرى في تلك المشاركة تزكية للتحكم.

ويبدو أن أمين عام الحزب لم يكن يتوقع أن تثير تصريحاته كل هذه الضجة، وأن تصل إلى حد صدور بلاغ عن الديوان الملكي. بيد أن البلاغ تمكن قراءته من منطلق الواقع السياسي العام في البلاد رغم ارتباط صدوره بنازلة التقدم والاشتراكية. فقد وضع حزب العدالة والتنمية مصطلح التحكم في التداول السياسي لمختلف الأحزاب والهيئات في المغرب، وجعله أهم مفهوم في المعجم السياسي المتداول، من دون أن تكون له القدرة على التعريف به وتحديد ما يقصده منه، وجعل من مهاجمة حزب الأصالة والمعاصرة برنامجا سياسيا حجب عن الناخبين البرنامج الحكومي نفسه، الأمر الذي خلق معارك سياسية هامشية طيلة السنوات الخمس الماضية.

وبصدور بلاغ الديوان الملكي، يريد القصر وقف هذا النزيف السياسي وإغلاق قوس الانتخابات الماضية التي أفرزت الحكومة الحالية، في ضوء الحراك الشعبي داخل المغرب وخارجه، في محاولة لإعادة الحياة السياسية المغربية إلى الوضوح، وإعطاء الحملة الانتخابية القادمة طابع المنافسة السياسية على أساس البرامج لا على أساس الخصومات وتصفية الحسابات، وعدم إدخال المؤسسة الملكية ومحيطها في هذه الصراع السياسي، وهو ما سبق أن أكد عليه العاهل المغربي الملك محمد السادس شخصيا في خطاب الجلوس الماضي حين قال “الحزب الوحيد الذي أعتز بالانتماء إليه هو المغرب”.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر