الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

شهادات على عصر كامل في فيلم تسجيلي طويل

الفيلم الوثائقي 'فراعنة مصر المعاصرون' يطرح الفيلم سؤالا يتعلق بما إذا كان العسكريون قد نجحوا في بناء دولة حديثة استنادا إلى ما حققه محمد علي الذي يعتبر مؤسس الدولة الحديثة في مصر الحديثة.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/09/18، العدد: 10398، ص(16)]

3 زعماء غيروا تاريخ مصر

اقتضى إنجاز الفيلم الوثائقي الطويل “فراعنة مصر المعاصرون” من مخرجته جيهان الطاهري الكثير من الجهد، واقتضى العمل فيه أكثر من خمس سنوات. والفيلم يسلط الضوء على ظاهرة الحكم العسكري في مصر منذ 1952 إلى نهاية عصر حسني مبارك. وقد جاء في ثلاثة أجزاء، عصر ناصر ثم السادات ثم مبارك.

ويطرح الفيلم سؤالا يتعلق بما إذا كان العسكريون قد نجحوا في بناء دولة حديثة استنادا إلى ما حققه محمد علي الذي يعتبر مؤسس الدولة الحديثة في مصر الحديثة.

هذا السؤال يتردد في الأجزاء الثلاثة من الفيلم الذي لا يركّز فقط على تنوّع شخصيات الزعماء الثلاثة وتباين اختياراتهم السياسية، بل يتعرّض أيضا للملابسات الدولية والصراعات الداخلية التي لعبت دورا رئيسيا في جنوح “الفراعنة الثلاثة” منذ انقلاب العسكريين على الحكم الملكي في 1952، إلى الابتعاد عن الديمقراطية، والفشل بالتالي في بناء دولة حديثة على غرار ما كان يحلم بتحقيقها الخديوي إسماعيل الذي قيل الكثير عن إسرافه وتبديده لثروات البلاد وأنه كان السبب المباشر في الاحتلال البريطاني لمصر.

حيادية الرؤية

يعتمد الفيلم في أجزائه الثلاثة على الرصد الدقيق المدعّم بالصور واللقطات والشهادات، من بينها الكثير من اللقطات النادرة التي نجحت المخرجة في العثور عليها من الأرشيف البريطاني وغيره بجهد خاص في البحث والإعداد ثم الاختيار والتدقيق واستخدام الصور في مواضعها المناسبة من خلال البناء وشكل السرد والمونتاج، كما يعتمد على التوازن الدقيق بين الصور والشهادات الحية المباشرة من خلال المقابلات المصورة التي سجلتها المخرجة مع عدد من الشخصيات السياسية التي لعبت أدوارا مباشرة أو كانت طرفا، في الأحداث التي شهدتها العهود الثلاثة، سواء في موقع السلطة أو خارجها في صفوف المعارضة، كما استعانت المخرجة بمقاطع مختارة بعناية من الأفلام الروائية المصرية الشهيرة، كانت تقوم بوضعها عند نقاط معينة في السرد، في معرض التعليق على الأحداث السياسية.

يتبع الفيلم منهجا يتميز بحيادية الرؤية، والحرص على تحقيق التوازن بين الأطراف والروايات المختلفة، وهنا تجب الإشارة إلى نجاح المخرجة أولا في الحصول على مقابلات نادرة مع شخصيات كانت في نهاية العمر ومنها من غادر الحياة بعد تسجيل تلك اللقاءات معه، كما نجحت في إقناع جميع الشخصيات التي ظهرت بالتحدث (للتاريخ) أي بكل بصراحة عن دورها أو دور التنظيمات أو الجهات التي كانت تتبعها في الماضي مع إتاحة الفرصة أمامها لتقديم ما يمكن اعتباره تقييما أو نقدا ذاتيا أيضا لدورها أو لتوجهات السلطة أو الجهة التي كانت تتبعها، وهو ما أضفى الكثير من المصداقية على الفيلم.

في الجزء الأول ستصبح بؤرة الصراع السياسي في مصر منذ 1954 حتى نهاية عصر مبارك، منحصرة في الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين بتنظيمها الدقيق عبر سنوات طويلة، وبين السلطة العسكرية الحاكمة

بؤرة الصراع

في الجزء الأول نتابع صعود زعامة جمال عبدالناصر وصراعه مع الرئيس الأول لمصر محمد نجيب، ثم ما وقع من انقسام في صفوف الجيش عام 1954 عندما اتخذ ضباط سلاح الفرسان موقفا مؤيدا لموقف نجيب الذي كان يرى ضرورة عودة الجيش إلى ثكناته وإعادة العمل بالدستور وإجراء الانتخابات الحرة وعودة البرلمان، أي ترك الحكم لرجال السياسة من المدنيين، في حين اتخذ القطاع الأكبر من ضباط 23 يوليو موقفا يطالب بالتمسك بالسلطة وحكم البلاد حكما عسكريا دكتاتوريا.

في الجزء الأول كما في الجزأين التاليين (السادات ومبارك) ستصبح بؤرة الصراع السياسي في مصر منذ 1954 حتى نهاية عصر مبارك، منحصرة في الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين بتنظيمها الدقيق عبر سنوات طويلة، وبين السلطة العسكرية الحاكمة، وكيف تأرجح الصراع من المواجهة المباشرة التي وصلت في عهد عبدالناصر إلى حل الجماعة واعتقال كل قياداتها وأعضائها وممارسة أقصى درجات التعذيب ضدها، ثم المهادنة معها في بداية عهد السادات الذي أطلق سراح قيادات الجماعة من المعتقلات، وسمح لها بممارسة النشاط السياسي، قبل أن يقع الصدام العنيف بين الطرفين في نهاية سبعينات القرن الماضي لينتهي في 1981 مع اغتيال السادات برصاص الجماعة الإسلامية، ثم مرة أخرى يأتي الرئيس مبارك لكي يفتتح عهده بنوع من “المصالحة” مع التيارات السياسية المختلفة، ويقدم بعض التنازلات للجماعات الإسلامية في تسعينات القرن العشرين لوقف تيار العنف، قبل أن يتمادى مبارك في دكتاتوريته ويطمع أيضا في توريث السلطة لابنه جمال، وصولا إلى اندلاع الثورة في يناير 2011.

تظهر في الفيلم شخصيات شهدت على أحداث مهمة في تاريخ مصر مثل عبدالرحمن فريد الذي كان المسؤول عن مخابرات عبدالناصر بعد نجاح حركة الجيش في يوليو 1952، ومحمود حجازي أحد ضباط سلاح الفرسان المناوئ لبقاء الجيش في السلطة، وسيد نزيلي أحد أقطاب الإخوان المسلمين الذي كان ضمن كبار المتهمين في قضية التنظيم السري ومحاولة الانقلاب على نظام عبدالناصر في 1965، كما يظهر فريد عبدالخالق أحد القيادات التاريخية للجماعة ولكن الفيلم يخطئ حين يقدمه باعتباره عضوا “مؤسسا” في جماعة الإخوان، في حين أنه من مواليد 1915 بينما تأسست الجماعة في 1928، وليس من المعقول أنه كان شريكا لحسن البنا في التأسيس بينما لم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره. وقد توفي فريد في 2013 عن 98 عاما.

ضباط 23 يوليو.. تكريس للفرعونية الجديدة

شخصيات معاصرة

من الشخصيات التي تتحدث في الفيلم أيضا محمد تعلب مساعد وزير الداخلية (توفي في 2015) الذي عمل مع شعراوي جمعة وشهد أول انتفاضة طلابية وعمالية ضد نظام 23 يوليو في 1968، وعبدالمجيد شديد وهو أحد ضباط المدفعية من ثوار يوليو 1952 والمدافعين عن الديمقراطية، واليساري المعروف رفعت السعيد، ونائب مدير جهاز أمن الدولة اللواء فؤاد علام. ومن القيادات الطلابية في سبعينات القرن العشرين التي شاركت في الحركة الطلابية التي مارست ضغطا شديدا على الرئيس السادات قبل حرب 1973، يظهر في الفيلم أحمد بهاء شعبان، وكمال خليل، وحمدين صباحي، ومن التيار الإسلامي في الجامعة الذي تحالف في البداية مع السادات، يظهر خالد زعفراني (من الجماعة الإسلامية) وزميله منتصر الزيات (الذي أصبح محامي الجماعات الإسلامية)، وناجح إبراهيم عضو الجماعة الإسلامية، ومن قيادات المسيحيين الليبراليين كمال زاخر.

ومن الشخصيات التي تظهر في الفيلم ربما للمرة الأولى في الإعلام المصور، ضابط الشرطة طه ذكي الذي كان مسؤولا بشكل مباشر عن حسم صراع السادات ضد قيادات الحقبة الناصرية من خلال “انقلاب القصر” عام 1971، بعد أن ذهب إلى منزل السادات وسلمه شريط تسجيل اعتبره السادات وثيقة دامغة على وجود مؤامرة للإطاحة به من جانب من أطلق عليهم وقتها “مراكز القوى”. كما يظهر محمود عامر، نجل المشير عبدالحكيم عامر، ومترجم الرئيس السوفييتي خروتشوف، ومساعد وزير الدفاع السوفييتي، وعدد من وكلاء وزارة الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة، وأعضاء سابقون في مجلس الأمن القومي الأميركي. ومن حقبة مبارك يتحدث علي الدين هلال وكان قطبا بارزا في لجنة السياسات مع جمال مبارك، وكذلك حسام البدراوي الذي لعب دورا بارزا في نهاية عصر مبارك. ومن الشخصيات المعاصرة التي كانت طرفا في الحقب الثلاث محمد فائق وكان وزيرا للإعلام في عهد عبدالناصر وقبض عليه في عهد السادات مع الإطاحة بـ”مراكز القوى”.

خلط وأخطاء

رغم استقامة السرد بشكل عام يلاحظ وقوع بعض الأخطاء في المعلومات مثل الخلط بين سلاحي المدفعية والفرسان (أي المدرعات) في أزمة مارس 1954 خلال الصراع بين عبدالناصر ومحمد نجيب، كما يقول التعليق في الفيلم إن التدخل البريطاني لاحتلال مصر جاء لحماية النظام الملكي بينما كان الهدف قمع الثورة التي قادها أحمد عرابي، والاستيلاء على موارد مصر من القطن والسيطرة على قناة السويس ذات الأهمية الاستراتيجية، كما أن النظام الملكي لم يتأسس في مصر سوى مع تنصيب الملك فؤاد عام 1922.

ويتجاهل الفيلم تجاهلا تاما عند تناول القوى المؤثرة في الشارع قبل 23 يوليو، حزب الوفد أكبر الأحزاب المصرية وأكثرها شعبية وتأثيرا، مقابل الإعلاء المبالغ فيه من دور جماعة الإخوان المسلمين التي لم تكن تتمتع بشعبية كبيرة في تلك الفترة.

ورغم وجود لقطات نادرة مثل لقطات قصف القوات البريطانية مبنى محافظة الإسماعيلية عام 1952، إلا أن الفيلم يعبر بشكل سريع على التراكمات التي أدت إلى ثورة يناير 2011، وحصرها في قضية الشاب خالد سعيد الذي قتل على أيدي رجال مباحث أمن الدولة، فقد تقلّص دور حركة كفاية في الفيلم، وغاب غيابا تاما أي وجود أو دور لمحمد البرادعي.

وغاب عن الفيلم أيضا وجود عالم في الاجتماع السياسي كان يمكنه أن يضيف للفـيلم عن طريق تحـليل الفرضية الأساسية التي طرحها الفيلم في بدايته، أي كيف نجح “الفـراعنة الجـدد” من العـسكريين في إحكام قبضتهم على السلطة طوال أكـثر من 60 عاما، وما الذي ينـتظر مصر مسـتقبلا.

ورغم هذه الملاحظات إلا أن الفيلم يتميز بشكل عام بالموضوعية والتوازن وحيادية الطرح مما يجعله يعتبر شهادة صادقة على حقبة لا تزال تداعياتها وامتداداتها قائمة حتى يومنا هذا.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر