الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

من يملأ فراغ الشرق الأوسط

أهمية المسألة السورية في الاستراتيجيات الدولية في المنطقة تكشف طبيعة هذا التراجع والانكفاء الأميركي نحو الداخل في محاولة للخروج من أزماتها المالية والسياسية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/11/23، العدد: 9388، ص(9)]

تراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط في ظل سياسات حكومة الرئيس الأميركي باراك أوباما، تتكثف صورته ومعانيه عبر الموقف من الصراع السوري وتسليم ملف تسوية هذا الصراع- المتفاقم في أبعاده الإنسانية والعسكرية إقليميا وداخليا- إلى الروس الذين فيما يبدو بدأوا بتكثيف جهودهم لعقد صفقة بين المعارضة والنظام دون أن نجد التزاما أميركيا صريحا بالعمل على تطبيق بنود اتفاق جنيف كما عبر عنه الأميركيون أنفسهم.

المشكلة التي تواجهها المعارضة السياسية السورية- ممثلة في الائتلاف- تتجلى في أن هذا الدور الروسي لم يشهد أية تحولات تذكر أو تبدّل يدل على إمكانية نجاح الروس في لعب دور الوسيط، فلم يتراجع دعمهم العسكري أو السياسي للنظام، وموقفهم من العملية الانتقالية والحكومة الكاملة الصلاحية لقيادة مرحلة التحول الديمقراطي في سوريا لم يتأكد بعد، حيث يتركز جهدهم السياسي على محاولة جمع المعارضة والنظام إلى طاولة المفاوضات تمهيدا لانعقاد مؤتمر «جنيف2» بمشاركة إيران كما يصر الروس على ذلك، في حين أن إيران هي الأخرى لم تقم بأية مبادرة تذكر تدل على تحول ما في موقفها الداعم للنظام، بل إن أدواتها في المنطقة ممثلة في حزب الله تصعِّد في موقفها العسكري الداعم للنظام، باعتباره جزءا من معركة وجودها ومستقبلها السياسي في إطار المشروع الإيراني في المنطقة ولبنان.

الأميركيون المنشغلون بإنجاز الاتفاق النووي مع إيران يعطون هذا الهدف كامل جهدهم، حيث يخوضون معركة على جبهتين جبهة الداخل المتمثلة في اللوبي الأميركي الرافض لتقديم أية تنازلات لإيران حتى ترضخ لكامل المطالب الغربية، وجبهة المفاوضات مع الطرف الإيراني الذي يضغط باتجاه ضرورة قيام الولايات المتحدة بإجراءات محفزة من قبلها لتخفيف العقوبات عنها لكي تساعد حكومة الإصلاحيين على إقناع الإيرانيين بمصلحتهم في الوصول إلى اتفاق مع الغرب بشأن برنامجهم النووي.

قبل هذا كله يدرك الأميركيون أن روسيا لعبت دورا مهمّا في بناء المفاعلات النووية الإيرانية، وأن العلاقات السياسية والمصالح المشتركة بين البلدين كبيرة إلى الحد الذي يحتاجون فيه إلى المساعدة الروسية في الضغط على الحكومة الإيرانية لإنجاح المفاوضات، ومثل هذا الدور الروسي لا يمكن أن يتحقق دون تقديم مقابل من قبل الأميركيين بصورة خاصة، ولذلك سلمت أميركا الملف السوري للجانب الروسي وتركته يقوم بمهمة تقريب وجهات النظر بين النظام والمعارضة تمهيدا لعقد «جنيف2».

ومع أن تراجع الدور الأميركي والتعبيرات السياسية لهذا التراجع يمكن ملاحظتهما على أكثر من مستوى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلا أن أهمية المسألة السورية في الاستراتيجيات الدولية في المنطقة، تكشف بصورة أكبر طبيعة هذا التراجع والانكفاء الأميركي نحو الداخل في محاولة للخروج من أزماتها المالية والسياسية حتى يمكن القول إن التراجع الذي شهده الموقف الأميركي في المنطقة ليس له أية سابقة في تاريخ العلاقات الأميركية مع المنطقة منذ خمسينات القرن الماضي.

هذا التراجع للدور الأميركي وتهافت الإدارة الأميركية على الوصول إلى اتفاق مع الطرف الإيراني، بقدر ما يكشف عن ضعف الموقف والسياسة الأميركية في المنطقة فإنه قد استدعى من بعض الشخصيات السياسية الفاعلة في إسرائيل بوصفها الحليف الأول والاستراتيجي في المنطقة، الحديث عن ضرورة البحث عن حليف جديد لإسرائيل بديلا عن الحليف الأميركي. هذا الكلام الخطير والجديد من قبل بعض الأطراف السياسية الإسرائيلية يعكس مخاوفا جدية من أن تهافت الولايات المتحدة على عقد اتفاق مع الجانب الإيراني سيدفع بها إلى تخفيف العقوبات عن إيران، ولذلك جاء التهديد الإسرائيلي بإمكانية البحث عن حليف دولي بديل وربما تكون زيارة رئيس وزراء إسرائيل لروسيا في هذا السياق، لاسيما بعد أن بدا واضحا أن الروس يعملون على العودة إلى مصر من بوابة العلاقات العسكرية كما أظهر ذلك الروس من خلال زيارة الوفد العسكري الروسي لمصر وعرضه مشاريع لتسليح الجيش المصري بقيمة تفوق الملياري دولار.

ولعل الأهمية التي تحظى بها مصر من حيث المكانة والدور في المنطقة تمنح العودة الروسية إلى المنطقة ثقلا مهمّا، فهل يستطيع الروس بعد كل هذا أن يملؤوا الفراغ الذي يخلفه تراجع الدور الأميركي في المنطقة؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي العودة إلى المرحلة التي تميز فيها الموقف الروسي في عهد الاتحاد السوفياتي السابق بالحضور القوي والمؤثر في المنطقة، إذ رغم محاولات الروس الدؤوبة والقوية لتعزيز سيطرتهم على هذه المنطقة الحيوية من العالم، إلا أنهم فشلوا في تحقيق أهدافهم، فكيف تستطيع روسيا تحقيق هذا الهدف في ظل الحالة التي تعيشها الآن داخليا ودوليا؟

الإدارة الأميركية المحرجة بسبب هذا الضعف الذي اتسمت به سياستها تجاه المنطقة، حاولت وتحاول الحفاظ على موقعها ودورها في المنطقة، لكن دون أن تمتلك استراتيجية واضحة تجعلها تنتقل من التردد والتخبط وردود الأفعال إلى الفعل والتأثير وهو ما لم تزل تفتقد إليه سواء في الحالة السورية أو الحالة المصرية، حيث التردد والتناقض وتغيير المواقف هو الطابع الذي تتصف به تلك السياسة.

وبغض النظر عن هذا التبدّل في الأدوار والاستراتيجيات الدولية، فإن المشكلة بالنسبة للسوريين الذين خرجوا عن سلطة الاستبداد والفساد لا يعنيهم من أمر القوة الدولية الفاعلة والمؤثرة على ساحة المنطقة، سوى موقفها من قضية الحرية والتحول الديمقراطي نحو مجتمع مدني تعددي. أي أن العلاقة مع هذه القوة أو تلك لا يمكن أن تتحقق إلا على قاعدة المصالح المشروعة، وفي المقدمة منها قضية الثورة السورية التي لا يمكن للسوريين أن يتجاهلوا طبيعة العلاقة السياسية بين النظام والروس في إطار المحاور والتحالفات القائمة التي يشكل الروس جزءا أساسيا منها.

من هنا كان الرهان على الموقف الأميركي انطلاقا من قراءات خاطئة تستند إلى معايير الحرب الباردة التي لن تسمح بموجبها الولايات المتحدة للروس والإيرانيين بفرض أجندتهم في منطقة بالغة الأهمية في الاستراتيجية الأميركية. لكن الإدارة الأميركية الباحثة، للوصول إلى تفاهمات بشأن برنامجها النووي لم تبد رغبتها في المواجهة أو توتير علاقاتها مع الروس، ما يفسر التردد الأميركي حيال الثورة السورية حتى عندما تحدى النظام السوري خطوط أوباما الحمراء.

كاتب وصحفي سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر