الاثنين 24 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10612

الاثنين 24 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10612

'طريق أسود' صوت ثالث يحرك الصراع في عالم متهالك

  • في زمن ما سيتغير وجه الكون، ستتغير الأماكن وكذلك الإنسان، هذا إذا نجا من كوارث أرضية أو كونية أو أوبئة أو حروب شاملة، هذه الفرضية تحتشد من حولها جلّ أفلام الخيال العلمي، ومن علاماتها مثلا تشظي الدول والشعوب وضياع الحواضر الكبرى وظهور المجرمين في نسخ أخرى غير مألوفة، وخلال ذلك سيكون الصراع سجالا بين أطراف تقليديين في الدراما الفيلمية ما بين قوتي الخير والشر، لكنه تخريج صار نسبيا إذ يصعب قياس تلك الدرجة من الخير أو من الشر، فالأصل هو العالم المعزول الذي يتآكل مع ما بقي له من عوامل البقاء، وفق هذه الرؤية تجري أحداث فيلم “طريق أسود” من إخراج غاري لوندغرين.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/09/19، العدد: 10399، ص(16)]

عالم معزول تفتك به الجريمة

يقدم فيلم “طريق أسود” للمخرج غاري لوندغرين (إنتاج 2016) الولايات المتحدة في العام 2029، حيث ستتشظى ولاياتها بعد سلسلة حروب وصراعات ومشكلات بيئية، تنتهي باجتماع بضع ولايات تحت اسم ولاية جيفرسون تحتل الجزء الشمالي الغربي من الحوض الباسيفيكي، وهناك سينعم مجتمع تلك المدينة بحياة هادئة، لكنها لن تخلو من صراعات مميتة.

الشخصية المحورية في تلك البيئة الممتدة بين مرتفعات وشطآن هو ديلان (الممثل سام دالي) العسكري السابق ووكيل الشرطة الذي خرج من عمله، بعدما تم زرع جهاز رقمي في رأسه يمكنه من التواصل المستمر مع كلايد، وهو برنامج رقمي يرسل باستمرار إرشادات إلى ديلان ويناقش معه أي قرار يتخّذه.

فكرة طريفة تبدو للوهلة الأولى وكأنها صوت الشخص الثالث الذي يعلّق على الأحداث، وبالفعل هو يراقب كل شيء عن كثب وبإمكان ديلان الإصغاء لمحدّثه أو الانقطاع عنه ساعة يشاء، لكن تثبت الوقائع أن وجود ذلك البرنامج أكثر من ضروري بالنسبة إلى ديلان لإنقاذه من المواقف الصعبة.

المدينة تعج بالعاطلين عن العمل والفقر يتفشى في كل مكان وديلان يقبل العمل حارسا شخصيا لدى ليسا (الممثلة ليلاني ساريل)، وهي امرأة ثرية ومن رواد النوادي الليلية رغم احتجاج كلايد، ثم يتطور الأمر فتكلفه باسترجاع أموال وذهب لها كان قد سرقه منها طليقها ستيرلينغ (الممثل سيمون تيمبليمان)، وساعة وقوع المواجهة بين ديلان وستيرلينغ تختلط الحقائق، ويحار ديلان أيهما السارق والخائن: سارا أم طليقها، فلكل واحد منهما حججه وإثباتاته؟

المعالجة الفيلمية تبدو ملفتة للنظر، دراما مألوفة لحياة ليلية وصراعات أزواج وأطماع ومصالح وكل شيء يدب دبيبا بطيئا، لكن ما هو مختلف هو وقوع ديلان في بؤرة الصراع بين الأطراف المتعددة وهو الشاب الديناميكي سريع القرار، فهو أسير الصوت الثالث كلايد من جهة ومن جهة أخرى سيشاطر ليسا البعض من المشاعر الجيّاشة، ويرى في ستيرلينغ مجرد شخص محتال مستغل ومتغطرس تمتد أملاكه الزراعية لمسافات ويستعبد العاملين خدما له.

ديلان أسير ماض وحنين إلى سارا (الممثلة ميشيل لومباردو)، ومنذ المشهد الأول سيكون إزاء الحقيقة الصادمة لغرق سارا أو مقتلها مع طفلهما.

أسلوب في المعالجة الفيلمية يسير هادئا في شكل ما يعرف بالدراما الفيلمية السوداء، الدهاء الذي ينطوي عليه ستيرلينغ يحيلنا إلى صراعات مع كائن غير بشري، ما إن يلتهم بضع حبّات شبه سحرية حتى يتمكن من التحكم في الآخر بصريا وعقليا، بينما يفوقه ديلان في تلك الشاشة التي تقدمها له منظومته البصرية-الرقمية، فتوفر له إمكانية رؤية ما لا يراه الآخرون.

السرد الفيلمي بني على أساس علاقات متشابكة تطمس فيها الحقائق وتسود الاستعدادات لارتكاب الجريمة من كل الأطراف

بني السرد الفيلمي على أساس علاقات متشابكة تطمس فيها الحقائق وتسود الاستعدادات لارتكاب الجريمة من كل الأطراف، سرد فيلمي يتداخل فيه الحلم واللاوعي مع دوافع شتى للصوصية وتجسس الشخصيات على بعضها البعض، ولهذا كان العنصر الزمني فاعلا ومرنا في التنقل بين الأحداث بصرف النظر عن كونها ماضيا أم حاضرا أم مجرد خيال، سرد وظف عنصر الزمن توظيفا متماسكا على الرغم من وجود ثغرات تتعلق بالإيقاع الفيلمي في بعض المشاهد.

أراد المخرج، وهو نفسه كاتب السيناريو، الزج بعناصر جمالية متنوعة لاجتذاب جمهوره والارتقاء بالشخصيات والأحداث، فقد عزف على وتر العاطفة واللقاءات الحميمية بين ديلان وليسا، ثم الانتقام الدامي بينهما عندما تتخلى هذه الأخيرة عن مشاعرها وتغمد سكينا في ظهر ديلان، ثم إنه وظف عنصر الخيال العلمي توظيفا مبسطا وابتكر الشخص الثالث من خلال كلايد كتنويع على الأحداث وإيجاد الصوت الناصح الذي يحافظ على ديلان ويدرأ عنه الهلاك.

التنوع المكاني كان علامة أخرى، فالأحداث كلها تقع في كنف الطبيعة وأغلبها تجري في أماكن حقيقية، ليس هنالك احتشاد للشخصيات في ذلك الامتداد المكاني الافتراضي لممالك جيفرسون المستحدثة، وما بين النادي الليلي ومنزل ليسا ومزرعة ستيرلينغ والبحر والطرق الخاوية، توزعت الأحداث في تناغم مكاني ملفت للنظر، لا يقطعه سوى انطلاق ديلان بدراجته النارية باحثا عن الحقيقة ومسلحا بمسدس للتخدير وآخر للقتل، إلاّ أنّها لم تدرأ الشرّ عنه من جميع الجهات حتى ينتهي به الأمر إلى فقدان النظام التواصلي مع الصوت الثالث كلايد إلى الأبد، فيما هو مطروح على جهة الساحل مدمى الوجه ليس أمامه سوى الحنين والعودة إلى ذكرياته مجددا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر