السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

عندما تتحول العنصرية إلى شأن عام في أوروبا

المواقف العنصرية باتت تصدر عن سياسيين ينظر إليهم المواطن بوصفهم مسؤولين عن تدبير الشأن العام. في النهاية سوف يفهم المواطن الأوروبي أن هؤلاء المسؤولين يديرون في نفس الوقت السياسة العنصرية كـ'شأن عام' يحظى بالقبول.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/09/19، العدد: 10399، ص(9)]

الأصوات العنصرية في أوروبا تتزايد وتكتسب كل يوم موطئا جديدا لها فوق أرض كانت إلى وقت قريب تعد أرض الأنوار والتبشير بقيم الليبرالية والتعددية، وهي لم تعد تعكس عقلية معزولة تجتاح العامة التي تعمل سريعا على رد الارتدادات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى عوامل الهجرة ووجود الأجانب، بل أصبحت جزءا من ثقافة النخب الثقافية والسياسية، تلك النخب التي لعبت في الماضي أدوارا طلائعية في رسم صورة أوروبا وكانت رسالتها النهوض بثقافة العامة بحيث تتبنى مبادئ التنوير. في الماضي كانت النخب الأوروبية هي التي تحتج على التجاوزات التي تحصل في الشارع تجاه المهاجرين، واليوم صار جزء من تلك النخبة هو الذي يتكفل بمهمة خرق تلك المبادئ، في دلالة على أن ثقافة الشارع هي التي تجتاح النخب، بدل أن تكون ثقافة النخب هي صاحبة الاجتياح.

الحادث العنصري الذي شهده البرلمان البلجيكي قبل أيام، عندما تلفظ نائب من الحزب الليبرالي الفلاماني بعبارات ذات طابع عنصري في حق مريم كثير، النائبة من أصل مغربي عن الحزب الاشتراكي الفلاماني ورئيسة فريق الحزب في البرلمان البلجيكي، يعكس هذا التحول في مزاج رجل السياسة في بلجيكا. لم يجد النائب لوك فان بيسن، خلال إحدى المناقشات البرلمانية التي جمعته بزميلته، سوى عبارة “عودي إلى بلدك المغرب إذا لم تكوني سعيدة”، وهي عبارة تعكس حالة قصوى من العنصرية، في بلد يعتبر نموذجا للتعايش ورمزا للاتحاد الأوروبي.

كون النائب البلجيكي غضب من زميلته بسبب تصريحاتها لا يجيز استعمال عبارات عنصرية. فالمبدأ السائد في الديمقراطيات الأوروبية، وفي الديمقراطية عموما، أن النائب البرلماني الذي يوجد في المعارضة ليس من الضروري أن يكون “سعيدا” في موقفه من السياسات الحكومية، وممارسة النقد ليست دليلا على انعدام الوطنية وإلا أصبحت المعارضة خيانة عظمى، ولعل هذا هو الفهم الذي انطلق منه النائب البلجيكي حين دعا زميلته إلى العودة إلى المغرب، فبالنسبة إليه يعد الاستياء من السياسة الحكومية استياء من الوطن، وهذا هو الخطر الذي يتهدد الديمقراطيات الأوروبية بسبب اكتساح ثقافة اليمين المتطرف.

أمثال هذا الحادث كثير، فقبل أسابيع تعرضت مهاجرة عربية في بروكسل لمحاولة دهس بسيارة يسوقها مواطن بلجيكي. توقف السائق عند ممر الراجلين سامحا للسيدة بالمرور، كما هي التقاليد المرعية، لكن ما إن وضعت السيدة قدميها في الممر حتى ضغط السائق على جهاز السرعة لدهسها. وقبل أيام تلقى الجامع الكبير في بروكسل، الذي تديره المملكة السعودية ويقع بالقرب من الحي الأوروبي، طردا يحتوي على مسحوق تبين أنه طحين، ولكن ذلك كان بمثابة اختبار. كما تلقى مركز التضامن، الذي يوجد مقره في حي مولنبيك، بيانا يحمل تهديدات بالقتل ضد المصلين، ووقع البيان من قبل تنظيم سمى نفسه “الدولة المسيحية”.

يدفع المهاجر العربي والمسلم ثمنا مضاعفا نتيجة الصدام بين نوعين من التطرف، التطرف الديني الذي تمثله بعض الجمعيات المتشددة التي تقدم نفسها على أساس كونها الناطق باسم المسلمين والإسلام، وبعض المهاجرين الذين التحقوا بالمنظمات المسلحة، والتطرف العنصري الذي يريد أن يرى فيه الآخرون حاجزا أخيرا أمام التطرف الديني. ومنذ التفجيرات التي حصلت في باريس وبروكسيل، ومنحنى العنصرية في ارتفاع نتيجة التفسير السطحي لظاهرة التطرف الديني وسهولة الاصطفاف في الجانب الآخر للمهاجرين بعيدا عن البحث عن الأسباب الحقيقية للتطرف، التي توجد في مكان آخر غير الهجرة ووجود الأجانب. ومع استمرار حالة الاصطفاف هذه، فإن عدوى العنصرية مرشحة لكي تطال شرائح واسعة من المواطنين الأوروبيين، خصوصا وأن المواقف العنصرية باتت تصدر اليوم عن مسؤولين سياسيين ينظر إليهم المواطن بوصفهم مسؤولين عن تدبير الشأن العام، ففي النهاية سوف يفهم المواطن الأوروبي أن هؤلاء المسؤولين يديرون في نفس الوقت السياسة العنصرية كـ”شأن عام” يحظى بالقبول.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر