الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

على حافة الجنون

بعد حربين كونيتين مدمرتين، دفعت الإنسانية فيهما أثمانا باهظة، ظهرت موجات من الكتابة والفن والفكر كالسريالية والتعبيرية والدادائية والوجودية، عبرت عن بؤس العقل وحضارته.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/09/20، العدد: 10400، ص(15)]

على تلك الحافة من الجنون، تقف الكتابة عارية وهي تستجلي مضمر العلاقة المختلة بين الذات والعالم، حيث تتخذ الفعالية الفكرية للكاتب/ الكاتبة شكل الرفض والتمرد على كل ما هو سائد ومستقر، لا رغبة في الاختلاف والتمييز، وإنما تعبيرا عن السخط الذي يجعل الكتابة تذهب في الاتجاه المعاكس. في هذه المنعطفات التي يراكم فيها وعي الكتابة مستوى من الشعور الحاد بالخيبة والألم، تنهض الكتابة والفن والفكر على حافة هذه الهاوية المظلمة للعالم، لكي تكثف صورة هذا الارتطام الموجع بلا معقولية العالم مستحضرة في معانيها هول اللحظة التي ينفتح فيها الوعي على مشهد السقوط المريع أخلاقيا وروحيا لعالم محكوم بدوافع السيطرة والاستغلال والقتل.

في هذه المسافة من العدم، والممتدة بين صعود العقل والحضارة وبين سقوطهما المريع يبرز الإبداع الإنساني في أكثر أشكال تجليه تعبيرا عن سريالية الواقع ومضامينه التعبيرية القاسية، بينما يختزل الشعور الطاغي بالعدم والعبثية سؤال الوجود والذات في أكثر حالاتهما اشتباكا بحثا عن المعنى وسط صمت هذا العالم الأصم.

وهكذا بعد حربين كونيتين مدمرتين، دفعت الإنسانية فيهما أثمانا باهظة، ظهرت موجات من الكتابة والفن والفكر كالسريالية والتعبيرية والدادائية والوجودية، عبرت عن بؤس العقل وحضارته بعد أن ظن الإنسان أنها سوف تصنع له مجد الحياة وغبطتها، ولذلك كشفت هاتان الحربان المدمرتان عن هوة العدم التي مازالت تفصل الإنسان عن بلوغ هذا الهدف، لا لشيء إلا لأن الإنسان مازال يختزن في أعماقه كل هذا التوحش والغرائز التي تجعل الوجود يقف دائما على حافة هذا الجنون.

في هذا السياق تأتي أعمال ديستوفيسكي الروائية، لا سيما روايته الشهيرة الجريمة والعقاب تتويجا لحالة البؤس الإنساني وأزمة اليقين في مواجهة أسئلة الواقع والحياة، كما عبر عنها سلوك بطل روايته وصراعه الدرامي مع نفسه ومع الواقع، كذلك تندرج حياة فرجينا وولف وأعمالها كما في روايتها المجنونة في غرفتها العلوية في سياق هذا العيش على حافة الجنون. ولعل حياة سلفادور دالي وفنه كانا التعبير الأمثل عن محاولة مواجهة عقلانية عصره المزعومة بدوافع لاشعورية ظل يتغذى من معينها الصاخب بحثا عن توازن مفقود.

على هذه الحافة كان ومازال وعي الكتابة والفكر يختصر سيرورة هذه التجربة، ويستجلي معانيها في عالم مازال نهبا للأطماع وغطرسة القوة وثقافة الكراهية، ولعل ما يحدث في سوريا من جرائم فظيعة وسط صمت مخز للعالم، يجعل الكتابة تستعيد حضورها على حافة هذا الجنون، لأن ثمة سقوطا مريعا للقيم التي يدعيها العالم المتحضر أمام هول ما يحدث.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر