السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

هوامش على دفتر الصحوة

التقوى الشخصية لم تكن مقننة وتستجيب للقوانين المعترف بها، الإنسان يدعو الإله بنفسه ولنفسه، بخلاف الكاهن الذي يتصرف باسم الفرعون للمحافظة على النظام الكوني والدنيوي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/09/20، العدد: 10400، ص(9)]

لا أجد لهذا المقال عنوانا أكثر دلالة من اقتباس صرخة نزار قباني، والاستشهاد بسطر من قصيدته التي رثى فيها عصرا من الأوهام، “لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية”، فرؤية الذاهبين إلى صلاة عيد الأضحى، والعائدين من الخلاء، صارت من “أركان الإسلام”، على الرغم من أن صلاة العيد نفسها ليست فرضا. وقد صارت إقامتها خارج المساجد، منذ نهاية السبعينات، ثمرة لتشاحن وتنابز بروايات واستعراض أسانيد، ومجادلات بغير التي هي أحسن في القشور، بعيدا عن جوهر دين معجزته العقل.

وبعد نحو أربعين عاما أسفرت حروب التبشير بما سمي “الصحوة الإسلامية” عن صلاة العيدين في الخلاء وجلابيب بيض للرجال وسود للنساء، وأسوكة وكتيبات توزع مجانا بعد خطبة العيد في سباب الشيعة، والتلويح “بحرب من الله ورسوله” لمن يتعامل مع البنوك الربوية، بالتقاطع غير المثير للدهشة مع استئناس قبح يتمثل في تلال من القمامة، في الشوارع وبالقرب من المساجد، ونهب الطريق العام واقتطاع ترع الريّ بالبناء، واعتداءات على نهر النيل ردما وتلويثا، وهوس بتعلية المآذن وتتويجها بأكبر عدد من مكبرات للصوت تتبارى في الصراخ، والبث شبه المستمر لإذاعة القرآن الكريم، ومواعظ يبلغ حظ المسلم منها اثنين في اليوم، إذا جمعنا خطب رمضان اليومية بعد المغرب وخلال التراويح، وخطب ما قبل صلاة الجنازة، وخطب عقد القران بالمساجد، وخطب بعد صلاة الفجر.

وهذه الأخيرة كانت مبعث حيرتي ذات فجر، وكنت أستعد للسفر، حين قبض إمام شاب على الميكروفون، خاطبا في بضعة مصلين، أحدهم يغالب النعاس، وآخرون انصرفوا لأشغالهم في الغيط، لكي يوضح للباقين الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي.

لماذا أذكر الآن مصطلح “الصحوة الإسلامية”؟ لأنني شهدت بداياتها ونهايتها.

اعتبرت نفسي، آنذاك، أحد جنود الله في معركة مقدسة لا بديل فيها عن النصر؛ لأن ساحة شهادة انتقلت إلى أفغانستان. في حين نظر جيل أبي، ممن تعمر قلوبهم بالإيمان لا التديّن الشكلي، باستنكار إلى خارطة تتغير ملامحها.

كـان أبي حريصا على صلاة الفجر في الجامع، لا يحول دون ذلك برد أو مطر تزل بسببه الأقدام. سألته هل ينقص عدد المصلين في ليال ممطرة تنقطع فيها الكهرباء، ويكف الميكروفون عن بث القرآن والابتهالات قبل أذان الفجر بما لا يقل عن ساعة؟ قال إنهم لا يزيدون ولا ينقصون.

ولكن أحدا لا يجرؤ الآن على المطالبة بأن يكون مكبر الصوت في المساجد للأذان فقط، حرصا على المرضى والنيام والطلاب. الجملة الأخيرة لم يقلها أبي ولا أحد من جيله، استسلاما لموجة “الصحوة الإسلامية” التي أفتى زعماؤها بأن يكون للفجر أذانان، أولهما قبل الأذان الطبيعي بنحو الساعة، وأن يكون للجمعة أذان واحد، على أن يبدأ الإمام خطبته قائلا “إن الحمد لله”، وليس كما تعودوا “الحمد لله رب العالمين”، وألا يجهر الإمـام بالبسملة في الصلوات الجهرية.

ربما تأسى بعض الآباء على أعمار يظنونها أهدرت وهم يعبدون الله على غير هدى. وماذا عن آبائهم الذين أخلصوا لله بالفطرة، وترجموا هذا الإخلاص بعمل الخيرات وتجنب الإيذاء والعدوان؟ أحسب هؤلاء هم السلالة الأكثر وفاء للسلف الصالح منذ الآلاف من السنين.

خالد بن الوليد لم يكن يطلب الآخرة حين هزم المسلمين في غزوة أحد، وأن الله لا يتدخل لنصر مؤمن وهزيمة كافر، هذا أمر يخص حدود القوة توظيفها. وقبل أن يرفع أحدهم في وجهي شعار "الأخذ بالأسباب" أسارع قائلا إن الأسباب يستوي فيها المسلم والكافر، ولا شأن لله بها

يذكر فرانسواز دونان وكريستيان زفي-كوش مؤلفا كتاب “الآلهة والناس في مصر: من 3000 قبل الميلاد إلى 395 ميلاديا” أن مصطلحات مثل “التقوى الشخصية” و“الورع الشخصي” حققت للإنسان في الكثير من مستويات السلم الاجتماعي في مصر القديمة إشباعا روحيا، بعيدا عن القـواعد الصارمة للعبادة الرسمية؛ فبواسطة التقوى “أو من خلالها يعبر كل إنسان عن علاقته بالإله عبر طرق لا تمر من خلال المعبد”، وهذا ما لخصه شعار المتصوفة “الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق”، وربما يتماس مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع “التقوى ها هنا”، وأشار إلى صدره ثلاث مـرات.

ويسجل المؤلفان أن التقوى الشخصية لم تكن “مقننة وتستجيب للقوانين المعترف بها… الإنسان يدعو الإله بنفسه ولنفسه، بخلاف الكـاهن الذي يتصرف باسم الفرعون للمحافظة على النظام الكوني والدنيوي”. وفي مواجهة العبادة الرسمية كان الأفراد من عموم الشعب بحاجة إلى “التفاعل المباشر مع الإله للتخفيف من مشاكل الحياة، والبحث عن سلام الروح الذي لم يكن له اعتبار في العبادة الرسمية”.

لا اعتبار لسلام الروح غالبا بعد تأطير الطقوس، والاستيلاء على النص وادعاء تأويله، وامتلاك حق النطق باسمه، سواء عبر مؤسسة رسمية أو جماعة أهلية في طور التشكّل. كنت ترى أحدهم يسارع إلى تكفير أهله، ويميل إلى العبوس في وجه الآخرين الذين سيدخلون جهنم، وينقض بقلة ذوق على من يخالفه الرأي، ولا يعنيه انفضاض الناس عنه لأنه فظ غليظ القلب. وامتدت الخشونة إلى غير المسلمين، بتغذية من جماعات ومجموعات في نهايات السبعينات، وأصدر يوسف القرضاوي كتيبا عنوانه “ظاهرة الغلو في التكفير”، ثم أعاد نشره مزيدا بعنوان “الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف”، في سلسلة “كتاب الأمة” من الدوحة.

وكان محمد الغزالي أكثر انتقادا للمتنطعين باسم الدين، وإن حفلت كتبه بتعميمات لا تليق بمن يقول إنه “داعية”، في كتاب عنوانه “هموم داعية” يقول “إنني أحد الذين حاربوا تقاليد الغرب الجنسية، وجاهليته الذميمة في إشباع الغرائز الحرام”، وهو استعراض يُطمْئن القارئ الجاهل على نفسه، ويقنعه بأن الغرب منحط وعاطل عن العمل والابتكار لانشغاله بغرائزه. في هذا الكتاب يفتي الغزالي في كل مجال تحت عنوان “التخلف الاقتصادي” يتساءل “هل انتشرت الشيوعية إلا مع هذه الخلخلة التي أحدثها العصيان لأوامر الله، واعتداء حدوده؟”. كما يفسر هزيمة 1967 بضعف التدين، أما انتصار 1973 فيرجع إلى قتال الجنود “بطبيعتهم الإسلامية.. انتهز الضباط المؤمنون الفرصة وأعادوا الوعي الإسلامي إلى أفئدة الرجال، فعادت الصلوات وارتفع الأذان واستيقظ حب الله وطلب الآخرة”.

يسهل تفنيد هذا اليقين بأن خالد بن الوليد لم يكن يطلب الآخرة حين هزم المسلمين وعلى رأسهم الرسول في غزوة أحد، وأن الله لا يتدخل لنصر مؤمن وهزيمة كافر، هذا أمر يخص حدود القوة ومهارات توظيفها. وقبل أن يرفع أحدهم في وجهي شعار “الأخذ بالأسباب” أسارع قائلا إن الأسباب يستوي فيها المسلم والكافر، ولا شأن لله بها.

وكما شهدت وعود “الصحوة الإسلامية” رأيت النهاية، وقرب النهاية أعلن أحد الإسلامجية ممن ركبوا ثورة 25 يناير أن ظهور مذيعة محـجبة في التلفزيون أثبت له أن “الإسلام دخل مصر”.

أنظر إلى أضلاع هـذا المثلث، وأمد خيوطا من زواياه، فتلتقي في نقطة يقف فيها الغزالي مؤيدا قتل آحداد الناس لمواطن أعزل (فرج فودة)، ونال القرضاوي لقب “مفتي الناتو”، وبعد خلع محمد مرسي استحق غضب محبيه القدامى، لدعوته مسلمي العالم “في كل مكان، من إندونيسيا وماليزيا ونيجيريا والسنغال وباكستان وبنغلادش والهند والصومال والعراق وإيران وليبيا وتونس وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن” ليكونوا شهداء في مصر. ولعله لا يعلم أن أمثاله كانوا سببا في خلو بلد مثل الصومال من الجيش.

ذهبت “الصحوة الإسلامية” سدى، وفي الاختبار الحقيقي فشلت في حث المسلمين على صيانة المال العام، خلال فوضى الثورة المضادة بعد 25 يناير 2011. كان يكفي “الصحوة الإسلامية” شرفا، أن يؤثر جيشها المكون من الآلاف من “الدعاة” في إقناع المسلمين بحديث مسلم “من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة”، ولكن الله يزع بالقانون ما لا يزع بالفتاوى.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر