السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

ثقافة الأثر

لم يكن شاغل من قام بجمع محاضرات المعلمين الرواد هو إخراج كتب تخلد ذكراهم وإنما الغاية الأساس، هي مواجهة منطق مجتمع ثقافي مختل لا يرى في غير الحبر والورق إنجازا ثقافيا.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/09/21، العدد: 10401، ص(15)]

هل الكتابة بما هي تدوين للأفكار والمعاني، يسعى للتداول والانتشار، هي الإنجاز الأمثل والأكمل للباحث والناقد والمؤرخ والمشتغل في حقول المعارف الإنسانية المختلفة؟ أم أنها لا تعدو أن تكون صيغة من صيغ الاجتهاد والعمل الذهني الذي يفترض سبلا متعددة الوجوه والمقاصد؟ وكيف يمكن الفصل بين الإنجاز الثقافي العميق والمؤثر وإصدار المؤلفات المتلاحقة؟ ولماذا بات الولع بمراكمة المنشورات من كتب ومصنفات جماعية ومقالات شاغلا رئيسيا وحيدا، لكل مشتغل بالمعارف في السياق العربي الراهن؟

في أواسط الثمانينات من القرن الماضي قام الباحثان كمال عبداللطيف والطاهر وعزيز من شعبة الفلسفة بجامعة محمد الخامس في الرباط، بجمع محاضرات أستاذ تاريخ الفلسفة المصري نجيب بلدي ونشرها بعنوان “دروس في تاريخ الفلسفة”، (صدرت عن دار توبقال بالدار البيضاء، سنة 1987). لم يكن نجيب بلدي يحظى بشهرة كبيرة في الوسط الأكاديمي بالرغم من نهوضه بدور مؤسس في تكوين أجيال من الطلاب والباحثين ممن صنعوا مجد الدراسات الفلسفية بالمغرب، في حين لم يُصدر إلا مؤلفا يتيما عن ديكارت في ستينات القرن الماضي.

وقبل إصدار محاضرات نجيب بلدي، قام البعض من أساتذة قسم اللغة العربية بالقاهرة بجمع محاضرات الشيخ أمين الخولي ونشرها، وهو الذي لم يكن محتاجا إلى مطبوعات لتأكيد دوره الريادي في الدراسات البلاغية والنقدية بالجامعة المصرية، وبعد أمين الخولي ونجيب بلدي جمعت أعمال العديد من المفكرين والأساتذة الرواد في مشرق العالم العربي ومغربه، بيد أنه باستحضار هذين المثالين، فقط، نقف على ظاهرة ثقافية جديرة بالانتباه في الذاكرة الجماعية والثقافية العامة، وهي انخراط مجموعة من الباحثين في بناء حقول معرفية مختلفة عبر التدريس والتعريف بمناهج جديدة ونحت مفاهيم مستحدثة وترجمة أخرى وتكوين نخب يمتد تأثيرها على عقود طويلة، دون التفات لشهرة عابرة أو مجد زائف، حيث التحمت لديهم المعرفة بآثارها في المجتمع والوجدان العام، وبما يمكن اختصاره تجاوزا في كلمة “نهضة”.

بالطبع لم يكن شاغل من قام بجمع محاضرات هؤلاء المعلمين الرواد هو إخراج كتب تخلد ذكراهم، ولا حتى إتاحة ما قدموه من محاضرات لعموم القراء فحسب، فهذا المأرب على نبله لا يمثل صلب القصد من تحويل تراث شفوي إلى كتاب جامع، وإنما الغاية الأساس، هي مواجهة منطق مجتمع ثقافي مختل لا يرى في غير الحبر والورق إنجازا ثقافيا، ويبالغ في تبخيس ما سواه من أثر. لهذا كنت أحترز من تلك الأحكام المطلقة التي تربط الأثر بالكتابة وأستعيد على الدوام مسارات محمد جسوس وأحمد اليابوري وأحمد السطاتي وغيرهم… ممن زهدوا في الكتابة لسنوات طويلة لأداء واجب نهضوي في الجامعة والمجتمع المدني والصحافة، في مرحلة كان فيها التدريس والعمل الثقافي جزءا من نضال عام من أجل بناء مجتمع حديث.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر