السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

'آرت بيروت' مقاومة من نوع آخر

  • اختُتم منذ أيام قليلة معرض “بيروت آرت فير” السنوي الذي كعادته لم يدم أكثر من أربعة أيام كانت كفيلة بجذب عدد هائل من الزائرين، حيث غادرت الأعمال مركز بيال للمعارض ببيروت، ليبدأ التقييم الجديّ لما قدمته هذه الدورة الأخيرة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/21، العدد: 10401، ص(16)]

بانوراما من الفنون المعاصرة

تميزت الدورة السابعة من معرض “بيروت آرت فير”، التي أقيمت هذا العام بمركز بيال للمعارض ببيروت، بمشاركة 45 صالة فنية قادمة من 20 بلدا عربيا وأجنبيا، نذكر من بين الصالات اللبنانية “غاليري ربيز” و”غاليري مارك هاشم” وغاليري “ساوث بوردر” وغاليري “فادي مغبغب”، ومن الصالات الأجنبية نذكر “غاليري فرانسواز ليفينيك” وغاليري “ألبرت بارونيان”.

واستطاعت الجهة المُنظمة أن تقدم كل الصالات المُشاركة في إطار شكليّ أفضل بكثير من السنة الماضية راعت من خلاله حجم المشاركة ونوع الأعمال وأحجامها، أما إضاءة الأعمال الفنية فكانت في أفضل حال خاصة إذا ما تمت مقارنتها مع السنة التي سبقتها.

الفضاء الرحب

خلال السنة الماضية خيّم ظل الفوضى على البعض من مرافق المعرض، خاصة لجهة حضور ما يشبه الغرف الداخلية من ضمن المعرض الواحد، حيث الغرف شبه المفتوحة التي تداخلت في ما بينها وأغرقت الأعمال في ضوضاء بصرية مُتعبة ومشوشة لذهن الزائر، إضافة إلى ذلك فقد شعر زائر المعرض أن هناك صالات عرض “هُمّشت” في الزوايا على حساب غيرها من الصالات التي قدمت تجارب وأعمالا لافتة أكثر بكثير من تلك التي تصدرت واجهة ووسط المعرض.

(بيروت آرت فير) تجربة غنية في بلد تتوالد فيه صالات العرض بالتوازي مع الأزمات الداخلية والمحلية

أما هذه السنة فالتنظيم كان مغايرا تماما، حيث دخل الزائر إلى رحابة فضاء فني تتساوى فيه جميع حظوظ الأعمال الفنية في الظهور: دعوة صريحة إلى التأمل في الأعمال الفنية بعيدا عن التأثيرات التي يمكن أن تحملها هيئة المساحة المخصصة لهذه الصالة أو تلك، كما غاب عن معرض هذه السنة تضارب مصادر الموسيقى المتعددة الذي كان حاضرا بقوة خلال الدورة السابقة مما تسبب في تململ كبير لدى زائري المعرض، وغاب أيضا فن الهندسة الداخلية الذي أخد حيزا كبيرا من المساحة خلال معرض 2015.

ولا شك أن قرار لجنة المعرض بـ”إقصاء” هذا الفن الرفيع كان قرارا صائبا، لا سيما أن لهذا الفن موعدا سنويا مع معرض خاص به دون غيره من الفنون.

جولة في أرجاء معرض 2016 تضع الزائر أمام المئات من الأعمال الفنية التي تنتمي إلى مختلف التيارات الفنية، أو لا تنتمي إلا “إلى ذاتها”، إذ صحّ التعبير، كما هو الحال مع العديد من الأعمال الفنية المعاصرة، حيث اختلفت التقنيات التي اعتمدها الفنانون وأصحاب الأعمال المعروضة. أما مضامين اللوحات أو الصور الفوتوغرافية أو الأعمال النحتية، فتختلف هي أيضا، بدءا بالحضور الكبير والطاغي لقضايا الحروب والثورات وصولا إلى ممارسات الرقابة التي تعرضت لها العديد من الأعمال، لأنها تناولت أفكارا دينية أو سياسية أو اجتماعية، والحال أن هذه الأعمال وغيرها هي بمثابة مواجهة ثقافية ضد الحرب والقتل والموت الذي يحيط بلبنان، ويشارك قسم من قواه السياسية والعسكرية فيه.

أتاحت الدورة الجديدة المجال لظهور العديد من الفنانين الشباب الذين بدأت أعمالهم تحظر على الساحة الفنية العالمية، ونذكر منهم الفنان محمد خياطة وميريام الحايك، غير أن ورود أسماء لفنانين من أمثال اللبنانيين أسامة بعلبكي وشربل صامويل عون والسوري سمعان خوام من ضمن الجناح المخصص “للمبتدئين”، إذا صح القول، يُعتبر غريبا جدا نظرا إلى تطور وخصوصية تجربتهم الفنية.

احتفاء لوني بتجارب فنية حداثية من عشرين بلدا عربيا وأجنبيا

جديد وريادي

سيعثر زائر المعرض على عدد كبير من الأعمال التي سبق وأن رآها خلال هذه السنة في الصالات الفنية المنتشرة خاصة بمدينة بيروت، ولكنه سيعثر أيضا على أعمال لهؤلاء الفنانين، جديدة ومتطورة كثيرا. ونذكر من تلك الأعمال، لوحة للفنانة غادة زغبي ولوحة للفنان حسان صمد ولوحة للفنان شوقي شمعون المُنتقاة من مجموعة فنية لم يعرضها بعد، كما نذكر أيضا لوحة للفنان شادي أبوسعدة الذي سيقيم معرضا فرديا قريبا جدا في صالة “مارك هاشم” الكامنة بوسط بيروت. وإضافة إلى الجناح المخصص للتجارب الفنية الجديدة، أقام القيّمون على المعرض جناحا خاصا بعنوان “معرض لبنان الحديث” الذي عرض أعمالا مهمة لفنانات الحداثة في لبنان بين عامي 1945 و1975، أمثال إيفيت أشقر (1928)، هوغيت كالان (1931)، ناديا صيقلي (1936)، هيلين الخال (1923) وسيسي سرسق (1923) التي توفيت في السنة الماضية.

قدم “بيروت آرت فير” هذه السنة تجربة غنية ومختلفة عن السنوات السابقة في بلد تتوالد فيه صالات العرض وتزداد النشاطات الثقافية بالتوازي مع الأزمات الداخلية والمحلية، غير أن أكثر ما كان ينقص هذا المعرض هو حضور فن الفيديو آرت

والفن الرقمي والفن التركيبي/التفاعلي الذي يؤمّن التواصل مع المُشاهد كعنصر مشارك في بناء العمل الفني. وهي خطوة بدأ بها القيمون خلال السنة الماضية، ولكنهم تخلّوا عنها هذه السنة على الرغم من أهميتها الدلالية والتقنية والفنية المتصاعدة في العالم المعاصر.

بهذا المعرض الاستثنائي تواصل بيروت مواجهة ثقافة الموت وتفاعلاتها اليومية النكوصية بفنون الحياة، متحدية بالطاقات الإبداعية الخلاقة اللحظة الدامية المحيطة بلبنان والتي تورطت في أتونها بعض فئاته المتطرفة بما لا يمكن أن يعود بالخير على اللبنانيين المحبين للحياة. بالفن يواجه اللبنانيون اليوم اللحظة المريضة المتسللة إلى جسد المجتمع.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر