الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

سباكة أفلام

إن النقد بشكل عام، هو نقد للظواهر الفنية في علاقتها بالحياة والمجتمع والعالم، وهو ما ينطبق عليه تعبير غرامشي 'المثقف العضوي'، أي ذلك الذي ينشغل بالعلاقة بين الفن والمجتمع والسياسة.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/09/21، العدد: 10401، ص(16)]

كان التساؤل الذي يلح دائما على الكاتب هو، لمن نكتب؟ بينما أعتقد أن السؤال الأكثر أهمية ربما يكون، لماذا نكتب؟ فهل يكتب الكاتب بحثا عن شهرة وشعبية مزعومة مثلما يبحث المغني والممثل ولاعب الكرة، بل والزعيم السياسي؟

أكتب أحيانا معبّرا عن بعض ما يخطر لي من أفكار وآراء في ما يتعلق بما يسمّى “الشأن العام” الثقافي أو السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي، شأن الكثير من الكتاب غيري والنقاد الذين قد لا يجدون مساحة للتعبير عن مثل هذه الأفكار، أو أن صحفهم تحصر كتاباتهم في “تخصصاتهم” المعروفة.

ومع ذلك، فالغريب أنني وجدت بعض أصدقائي يعلقون على بعض ما أكتبه، موجهين النصح لي بالابتعاد عمّا يصدم ويقلق ويسبب الإزعاج لـ”جمهوري” من الذين يتابعون ما أكتبه في مجال النقد السينمائي، خاصة إذا كانت تعليقاتي المشار إليها من النوع الذي يخدش بعض معتقداتهم السياسية، بينما يُعجب الناس عادة، بمن يدغدغ مشاعرهم ويمتدح ما يحبونه في الفن كما في السياسة، أي في ما يتعلق بعمل فني أو بزعيم سياسي من زعماء الماضي الذين أصبحوا مثل الأبقار المقدسة التي لا يجب المساس بها.

أما من يأتي ليتحدث في “المسكوت عنه”، فهو يصبح في أنظار عموم الناس مزعجا، خارجا عن السرب، خاصة وأن الثقافة العربية بشكل عام وبحكم موروثات الماضي الراسخة العتيقة، هي ثقافة “ضمير الجماعة”، أي أنها لا تقبل الخروج عمّا هو مستقر وسائد بين عموم الناس، وتعتبره حينا نوعا من الكفر، وحينا آخر، تمردا جنونيا لا يؤدي إلى التهلكة، وفي معظم الأحوال تعتبره “تحليقا خارج السرب” وكل من يحلق خارج السرب في رأي الكثيرين، هو خارج عن الجماعة، والعياذ باللهّ!

ومن الغريب أن تجد أن البعض من المحسوبين على “المثقفين” ومنهم البعض من الأصدقاء أيضا، يسمحون لأنفسهم بفرض نوع من الوصاية على الكاتب عندما يسوق رأيا صادما أو مخالفا لهم يعتبرونه اعتداء على “ثوابتهم” الفكرية والسياسية.

فهؤلاء يفاجئونني بين الفينة الأخرى، بالتعليق عما أكتب بالقول إنه يتعين عليّ أن أبتعد عن نقد زعيم من الزعماء المحبوبين، بدعوى أن هذا “الزعيم” أصبح “خالدا” في ضمير الشعب، وأنه ليس من حقي أن يكون لي رأيي السلبي المستقل فيه، وهو نوع من الوصاية والحجر الغريب على الحرية من جانب من يفترض فيهم قدر من الثقافة والمعرفة.

وهناك من يعلق على ما أنشره أحيانا في هذا العمود الأسبوعي مما لا يروق له، بدعوى أنه من الأفضل أن أكتب عن السينما وعن الأفلام، متجاهلين عمدا أن هذا العمود ليس مخصصا للنقد السينمائي، بل لكتابة بعض الآراء والتعليقات الحرة التي تتعرض بالنقد للظواهر والقضايا التي أراها سلبية في حياتنا السينمائية والثقافية والسياسية عموما، وكلها جوانب ترتبط أشد الارتباط ببعضها البعض.

وكان رأيي أن النقد السينمائي ممارسة فكرية ذات علاقة بالأفكار المتجددة في مجالات الفنون والثقافة والسياسة والمجتمع والفلسفة، ومن لا يرى ذلك فهو مازال يعتقد أن كتابة النقد بكل أنواعه، مجرد حرفة وليست منهجا فكريا لرؤية العالم.

أعود إلى سؤال لماذا نكتب؟ فهل يكتب الكاتب ليرضي القراء ويعجبهم، أم لكي يعبر عن الحقيقة كما يراها حتى لو كانت ستصبح مزعجة للبعض وحتى لو كان ثمن قول الحقيقة والتعبير الحر عن الرأي بعيدا عن الحسابات الشخصية، يمكن أن يحرم الكاتب من تلك “الشعبية” التي يتهافت الكثيرون على الحصول عليها؟

إن النقد بشكل عام، هو نقد للظواهر الفنية في علاقتها بالحياة والمجتمع والعالم، وهو ما ينطبق عليه تعبير غرامشي “المثقف العضوي”، أي ذلك الذي ينشغل بالعلاقة بين الفن والمجتمع والسياسة، ولا يكتفي بالانغلاق على ذاته، يمارس حرفته بمعزل عن العالم، كما يفعل “السباك”، ولكن ما العمل إذا كان البعض لا يرى في الناقد السينمائي أكثر من “سباك أفلام”؟

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر