الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

فن الـ'زن'

المهم هو أن تسترخي وأن تتعلم التأمل وأنت تزخرف الورقة.. ولا تنتظر النتيجة.. فليست النتيجة هي الهدف.. لأن المتعة والفائدة تتلخصان في الرحلة ذاتها لا في الوصول إلى نهايتها!

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/09/21، العدد: 10401، ص(21)]

استوقفني العنوان الإنكليزي وهو يتوسّط كتابا من القطع الكبير وقد بدا لي لأول وهلة وكأنه معدّ لفئة عمرية صغيرة.. وإذ اعتدنا أن تكون الكتب والمجلات هنا في الغرب مغلفة بغلاف بلاستيكي فلم تكن بإمكاني معرفة محتواه قبل شرائه.. بيد أن ألوان الغلاف ودقة وروعة الرسوم التي تزينه بالإضافة إلى العنوان الفرعي الذي كتب داخل دائرة ملونة تحملها فراشة.. كل ذلك كان إغراء كافيا جعلني أقرر اقتناءه دون تردد كثير..

كان عنوان الكتاب هو “فن الزن”.. وكان العنوان الثانوي يشرح “أفكار مُلهمة لرسوم إبداعية وتصاميم لفن التأمل!”.. لم أنتظر طويلا حتى غادرت المحل لأفتح الغلاف البلاستيكي وأبدأ بالتصفح.. أثارتني في المقدمة بعض العبارات مثل “لا تهتم إذا لم تكن رساما.. ولا تقل إنك لست موهوبا.. ولا تتذرع بأن درجاتك في دروس الرسم لم تكن جيدة.. المهم هو أن تسترخي وأن تتعلم التأمل وأنت تزخرف الورقة وسنكون معك خطوة بخطوة.. ولا تنتظر النتيجة.. فليست النتيجة هي الهدف.. لأن المتعة والفائدة تتلخصان في الرحلة ذاتها لا في الوصول إلى نهايتها!”.

هو ليس كتابا لتعليم الرسم.. بل هو وسيلة من وسائل التأمل.. وسيلة صحية تبعدنا بضع دقائق عن العالم حولنا دون أن يوخزنا الإحساس بضياع الوقت.. لأنها قد تجعلنا نحوّل التوتر والغضب والقلق والألم والكآبة والانزعاج إلى إبداع!

كلمة زنْ هي لفظة يابانية تشير إلى طائفة بوذية يابانية تفرعت عن أصل صيني.. ويطلق اللفظ أيضا على مذهب هذه الطائفة.. ويتميز أتباع هذا المذهب بممارسة التأمل في وضعية الجلوس (زازن) وهي جلسة القرفصاء المعروفة في تمارين اليوغا.. كما يشتهر أتباع الطائفة بكثرة تداولهم للحِكَم والأقوال المأثورة.. وأصل كلمة زن سنسكريتي ومعناها الاستغراق في التفكير والتأمّل.. ومعناها الحرفي الدقيق هو التعبّد المطلق..

وتهدف تعاليم مذهب زن إلى العودة إلى الأصول الجوهرية للبوذية ومحاولة خوض التجربة الشخصية التي عاشها بوذا.. وتولي أهمية خاصة لوضعية الجلوس تلك التي توصل بها بوذا إلى حالة الاستنارة أو الإدراك أو اليقظة.. (أو بحسب المتصوفة الإسلاميين: حالة الكشف).. وقد أصبحت لفظة زن تشير إلى مجموعة من الممارسات الطقسية.. ومن أهمها التأمل في الكثير من تفاصيله وطرائقه..

وقد أولى العالم اليوم أهمية كبيرة للتأمل بوصفه ممارسة مفيدة للبدن والذهن والروح إذا تم بطريقة صحيحة.. فهو يمنح الشعور بالاسترخاء.. ويساعد على تنشيط الاتصال بين الجسد والروح.. والتدريب على تحفيز الوعي الداخلي مما يمنح رؤية أكثر وضوحا وقدرة على التفكير بشكل أنضج وأكثر إبداعا..

ومن المؤكد أن ممارسة التأمل لا يمكن أن تكون حلا للتخلص من متاعب ومشكلات الحياة اليومية.. ولا وسيلة للهرب منها.. بيد أنه يمكننا من التعامل مع واقعنا بأسلوب عملي وإيجابي دون أن نكون عرضة للأزمات النفسية أو الانهيار.. وقد اتفقت فيه كل الأديان السماوية.. فغايته هي تحقيق السلام الروحي والعقلي بتصفية الذهن من الأفكار السلبية واكتساب طاقة إيجابية تساعد على مواجهة الحياة بحكمة وتأن وهدوء..

حين وصلت إلى بيتي.. جلست باسترخاء على أريكتي المفضلة وأمسكت بالقلم ورحت أمارس تأملي.. على الورقة..

صباحكم سكينة وسلام..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر