الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

رحم الله زمانا

ثقافة الموت بدأت تزحف بقوة بينما ثقافة الحياة تتراجع في أغلب المناطق العربية، وأعتقد أن على الجامعة العربية وما تبقى من الدول العربية أن يفكرا جيدا في تمويل مشاريع كبرى للجمال والحب والفن.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/09/21، العدد: 10401، ص(24)]

فجأة تغير الحال، فالذي كان قبل عشرة أعوام يخشى على أبنائه من قنوات الرقص والعري والإيحاءات المبتذلة، صار يتمنى لو أن تلك القنوات هي التي تسيطر بقوة بدل قنوات الفتنة المذهبية والطائفية والفتاوى القادمة من كهوف القرون الوسطى والأخبار الكاذبة والفيديوهات المفبركة، التي باتت اليوم الأكثر رواجا وانتشارا بين الناس.

هيفاء وهبي ذاتها، باتت تستحق أن يعتذر إليها كل من هاجمها عندما دخلت مجال الغناء في بدايات القرن العشرين، فهي على الأقل رمز الرومانسية والأنوثة والجمال والجاذبية، لم تنحر بسكين ولم تطعن بسيف ولم تقتل برصاص ولم ترعب بخطبة ولم تنشر الفوضى بفتوى جاهلية أو دعوات إرهابية، وحتى عندما خاطبت رجبا خاطبته بدفء وحنية، وعندما غنت “بوس الواوا” لم تضع في يدها خنجرا لتطعن به أحدا، وعندما قالت “بكره فرجيك” لم تقل إنها “ستفرجيه” بنشر الخراب ودعم الإرهاب لتدمير الأوطان.

ورحم الفنان العراقي علاء سعد الذي قلب دنيا العرب رأسا على عقب بأغنية “البرتقالة” في العام 2008 قبل أن تقلبها عاصفة الصقيع العربي في العام 2011، وقال النقاد إنها أغنية مبتذلة تدخل ضمن موجة الرداءة، أو إنها رد فعل على سوء الوضع الناتج عن الاحتلال، إلا أن الاستماع اليوم إلى “البرتقالة” و”التفاحة” يجعل الحنين يأخذنا بعيدا وكأننا كنا في عالم وصرنا في آخر.

وأدعو بطول العمر للمصري سعد الصغير، فقد غنى لكل شيء من العنب إلى الحنطور وصولا إلى الحمار، ولكنه لم يتعصب للحمار ولم يتطرف في حب الحنطور ولم يفرض على أنصار التأثر برقصاته، ولم يتهم مناوئيه بأنهم كفار أو فجار أو عملاء للاستعمار، وأتمنى الصحة والعافية لعمنا شعبان عبدالرحيم، فالرجل بأغانيه وملابسه وإكسسواراته وتصريحاته الطريفة، كان جزءا من واقع كنا نبكيه فما صرنا في غيره بكيناه.

كانت المشكلة قبل عشرة أعوام هي الخوف على الأجيال الجديدة من التأثر بتلك الأغاني التي توصف بأنها مبتذلة وتجارية ورديئة وفيها إسفاف وبلا قيمة ثقافية، أما اليوم فهناك دول عربية يتعلم فيها الأطفال أساليب الذبح والنحر والتنكيل بالجثث وسبي النساء، وفي دول يقال إنها مستقرة، يتعلم الأطفال أفضل الطرق الشرعية لدخول المرحاض أو تغسيل الميت ودفنه والتخلص من أذى الجن وإطالة اللحى وإعفاء الشوارب وارتداء النقاب والجلباب وطرد الشيطان من الباب.

الحقيقة أن ثقافة الموت بدأت تزحف بقوة بينما ثقافة الحياة تتراجع في أغلب المناطق العربية، وأعتقد أن على الجامعة العربية وما تبقى من الدول العربية أن يفكرا جيدا في تمويل مشاريع كبرى للجمال والحب والفن، لأن استمرار الوضع على ما هو عليه حاليا سيقودنا إلى ما لا تحمد عقباه، فلثقافة الموت مغناطيس يسحب إليه الناس عن قناعة أو من باب التظاهر، وهو ما يهدد بتغيير الوجه الحضاري للأمة كلها.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر