الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

'تدمير' محاولة لسبر أغوار الذات المعذبة

  • بعد أن تجلت الموهبة الخاصة التي يتمتع بها الممثل الأميركي جاك غلينهال في أكثر من دور، خاصة دوره في فيلم “صرصار الليل” (2014)، يعود في فيلم “تدمير” إلى تجسيد دور يبدو كما لو كان قد كتب خصيصا له؛ إنه يحمل الفيلم على عاتقه، حيث يضفي على الشخصية الكثير من ذاته، ويسقط عليها الكثير من السمات التي تجعل من متابعة الأداء على الشاشة متعة خاصة.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/09/23، العدد: 10403، ص(16)]

هدم مادي لإعادة البناء الذاتي

جاك غلينهال ممثل من طراز فريد في السينما الأميركية، إنه يشبه من حيث الأداء والقدرة على التقمص والتماهي مع الدور، ممثلين من طراز روبرت دي نيرو وآل باتشينو وهارفي كايتل، الذين صقلوا مواهبهم في مدرسة “ستديو الممثل”، حيث تعلموا “الطريقة” أو “المنهج”، وهي المدرسة التي أسسها في نيويورك لي ستراسبورغ مستندا إلى منهج المسرحي الروسي كونستانتين ستانسلافسكي.

ويقوم المنهج على أن يستدعي الممثل من خياله الخاص ومن إحساسه بالشخصية التي يؤديها، لكي يجسدها بطريقة فريدة، خلاقة، تجعل الأداء يلعب دورا رئيسيا في التواصل بين العمل الفني والجمهور.

في فيلم “تدمير” للمخرج الكندي جون مارك فاليه، يقوم غلينهال بدور ديفيز ميتشيل الذي يعمل لحساب شركة استثمارات مالية في “وول ستريت”، وقد حصل على وظيفته عن طريق مدير الشركة فيليب، والد زوجته جوليا، ولكن لا يبدو أن ديفيز يشعر بأي متعة من ممارسة وظيفته التي كفلت له مستوى رفيعا ضمن طبقة رجال المال في منزل عصري أنيق.

بداية صادمة

يبدأ الفيلم بمشهد صادم: جوليا تقود السيارة وديفيز يجلس بجوارها، تشكو لديفيز من تسرب الماء من الثلاجة في المنزل وتطلب منه أن يصلحها.. تتحدث جوليا وهي تتطلع إلى ديفيز غافلة عن متابعة الطريق، ديفيز يصرخ فجأة محذرا جوليا.. صوت اصطدام مرعب وشاشة سوداء، ثم ننتقل إلى المستشفى، لنعرف أن جوليا قد ماتت، بينما نجا ديفيز.

هذا هو المدخل الذي سيجعل الفيلم يدور منذ تلك اللحظة حول شخصية ديفيز وما يحدث له، ما الذي يمكن أن يتركه حادث مروع كهذا على حياة ديفيز الوحيد الذي لم ينجب وليس لديه أقارب؟

في اليوم التالي يظهر ديفيز وهو يدلف إلى مكتبه في الشركة بمانهاتن وكأن شيئا لم يحدث، وسط دهشة الموظفين جميعا، هل مازال ديفيز تحت تأثير الصدمة؟ إنه لم يبك ولم يصب بانهيار ولم يبد عليه أي انفعال، هل هو رد فعل عقلي “إنكاري”، يرفض قبول ما وقع، قبل أن يحدث التلاقي بين العقل والواقع؟

لن يتركنا الفيلم طويلا في حالة تساؤل، فسرعان ما يتولى ديفيز بنفسه شرح مشاعره، فهو يسحب ورقة وقلما، ويكتب رسالة إلى الشركة المسؤولة عن أجهزة بيع المرطبات والحلوى الموجودة في أماكن متعددة، يشكو من أن الآلة الموجودة في المستشفى استولت على ما وضعه داخلها من نقود دون أن يحصل على قطعة الحلوى التي طلبها، وكيف أنه كما يقول كان يشعر بجوع شديد.

ديفيز الذي حين كانت زوجته ترقد بين الحياة والموت، كان مهتما بالحصول على شيء يأكله، ولكن ليس هذا كل شيء، فهو يستغرق في سرد جانب من حياته، إذ يصف كيف أنه تزوج جوليا منذ سنوات، لكنه لم يشعر أبدا بأنه يحبها، وبعد أن فقدها لتوّه لا يشعر بما يفترض أن يشعر به من حزن، بل ليست لديه مشاعر ما.

ديفيز بطريقته الخاصة يعبر عن رفضه للعالم من حوله، بزيفه وفقدانه للمعنى وعجزه الشخصي عن تحقيق السعادة

يتلقى مكالمة هاتفية بعد منتصف الليل من موظفة العلاقات العامة بالشركة التي قرأت رسالته وشعرت بالتعاطف مع حالته وأرادت أن تخفف عنه، لكنها تشعر الآن بأنها تجاوزت الحدّ فتقطع الاتصال، رغم رغبة ديفيز في التواصل معها، إنه يريد أن يفرغ ما بداخله، لكنه لا يجد من يثق فيه.

فيليب والد زوجته الراحلة، يستغرب وزوجته أن يكون رد فعل ديفيز على هذا النحو من البرود، وفي أحد اللقاءات بينهما ينصحه بأن يعيد تفكيك حياته، ثم إعادة تركيبها لكي يفهم حالته جيدا، ويقول له إن أفضل وسيلة لإصلاح أي جهاز، القيام بتفكيكه ثم إعادة تركيبه، وهي النصيحة التي ستصبح نقطة تحوّل في شخصية ديفيز وسلوكه، فهو سيبدأ بتفكيك جهاز الثلاجة إلى أن تصبح مجرّد قطع ملقاة على الأرض لا فائدة منها، وعندما يجد أن جهاز الكومبيوتر في مكتبه يتعبه بكثرة التوقف يقوم بتفكيكه، كما يقوم بتفكيك الأسلاك والمصابيح التي لا تعمل في حمام منزل أسرة زوجته الراحلة.

ويمتد مسلسل “التدمير”، ليصل إلى أن نراه يلحّ على مجموعة من العمال يقومون بهدم أحد المنازل، لكي يفسحوا له المجال لمساعدتهم في الهدم، بل ويدفع لهم مبلغا من المال لإقناعهم بجديته، وهو الذي مازال يرتدي بزة العمل في “حي المال”.

بطبيعة الحال تصبح موظفة العلاقات العامة كارين هاجسا لدى ديفيز، فهي مثله لديها شعور بعدم التحقق داخليا، وهي تقيم مع رجل هو مدير الشركة التي تعمل فيها، لكنها وهي الأم الوحيدة (لديها صبي مراهق من رجل آخر) غير واثقة من أنها تشعر بالسعادة مع هذا الرجل، وربما أيضا هي مضطرّة للتمسك بهذه العلاقة.

لا يتطلع ديفيز رغم الوضعية التي تعيشها الموظفة إلى إقامة علاقة عاطفية معها، بل يريدها فقط كصديقة، وسرعان ما ينتقل اهتمامه إلى ابنها المراهق المشتت كريس الذي لا يعرف حقيقة شعوره تجاه الآخرين، متسائلا هل يمكن أن تكون لديه ميول شاذة، وكيف يمكنه التحقق من الأمر؟ وسيصبح كريس الصديق الوحيد الذي يشارك ديفيز في التدمير، إلى أن يصل الأمر إلى تدمير منزل ديفيز عن طريق استئجار “بلدوزر”.

البطل المعذب

يعكس هذا السيناريو العدمي الشعور بالوحدة الشديدة لدى بطله المعذب الذي يريد أن يفهم لماذا لا يشعر بما يشعر به الناس جميعا بعد ذلك الفقدان، وهو من خلال عملية التفكيك (أو الهدم) يحاول الوصول إلى تلك اللحظة التي يرتدّ خلالها إلى الشعور الطبيعي بالفقدان.

أداء متقن لشخصية مركبة

من جهة أخرى، يعبر ديفيز بطريقته الخاصة، عن رفضه للعالم من حوله، بزيفه وفقدانه للمعنى وعجزه الشخصي بالتالي عن تحقيق السعادة، هذه الشخصية المركبة، التي تذكرنا بأبطال عدميين مثل ترافيس بيكل في “سائق التاكسي” لسكورسيزي، لا يصلح معها الأداء التقليدي الذي ينقل للمتفرج الحالة العقلية والنفسية فقط، بل التماهي التام مع الشخصية، وترك الممثل يؤدي كما لو كان هو التي يعيشها، ويستخرج من داخلها مشاعره الخاصة وهمومه الذاتية، ما يصبغ الشخصية بلون مختلف من الأداء المركب.

ولعل الفيلم يصل إلى أفضل مستواه عندما يترك المخرج للممثل مساحة للاستطراد والتلاعب بالدور، بما يتجاوز الأداء التقليدي، وهو ما كان يقتضي عدم الانزلاق إلى إضفاء المنطق على تصرفات البطل، أو محاولة العثور على نقطة للتصالح تؤدي إلى نهاية سعيدة مقبولة، فقد بدت “قفلة” الفيلم مفتعلة، متعجلة، بل ودخيلة على المزاج العام للشخصية وللفيلم.

يصعب الفصل هنا بين الدراما والكوميديا السوداء، ففي الفيلم الكثير من اللحظات الكوميدية، لكنها الكوميديا التي تخفي في طياتها الألم، وفيه من الدراما النفسية ما يحيلك أحيانا إلى فرويد، لكن فيه أيضا من التأملات ما يرجع إلى نيتشه. ويستخدم المخرج أسلوبا يعتمد على بناء المشهد الواحد من الواقع ومن الذكرى، من الحاضر والماضي، فهو ينطلق من لقطات واقعية، تقطعها لقطات سريعة عابرة متفقدة، تتداعى كشذرات من الزمان، وتحضر في المكان، من ذاكرة ديفيز ووعيه المعذب.

أحيانا يرى جوليا بجواره، تشاركه اللهو واللعب والحلم والحب دون أن تنطق بكلمة واحدة، وكأنه يتخيل ما كان يجب أن يكون، وليس بالضرورة استعادة ما كان، وعندما يقضي ليلة كاملة على فراش مجاور لكارين دون أن يلمسها، يتذكر أيضا جوليا، وفي مشهد آخر صادم يذهب إلى حفل تأبين جوليا بصحبة كارين من دون أن يشعر بفداحة تصرفه هذا وانعدامه للذوق، بل ولكل الأعراف كما ينبهه فيليب. ولا شك أن من معالم الجمال في الفيلم غياب الفوارق بين هذه السلوكيات المتغيرة باستمرار وعدم خضوعها لمنطق السرد التقليدي، أو لما يعرف بتعاقب الصور، بل هناك الكثير من القفزات المفاجئة واللقطات الدخيلة والتوقف أمام كلمات معينة تأتي على لسان ديفيز وكأنه اكتشفها لتوّه.

خلال الفيلم يتوقف ديفيز وهو يكتب رسائله المتكررة، أمام كلمة “ميتافور” (أو مجاز)، يكررها بصوت مسموع، والحقيقة أن الفيلم كله يمكن اعتباره تعبيرا مجازيا عن الرغبة في العثور على حقيقة ما، يشعر بها المرء إزاء العالم؛ علاقته بالآخرين؟ لماذا هو مختلف؟ ولماذا ينظرون إليه بدهشة واستغراب؟ هل هو شاذ من ناحية السلوك والتصرفات؟ دون أن يكون مدركا لذلك (هنا قد تكون تساؤلات الصبي كريس معادلا لهذه الرغبة الدفينة في معرفة الذات)، أما أكثر ما سيبقى في الذاكرة فهو دون شك، “ديفيز – غلينهال” المربك المحير، الذي يكمن في حيرته، جمال الأداء وجمال الفيلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر