الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

ارتداد الضوء

عمل فني ضخم للفنان أيمن بعلبكي، عن الخراب بالمعنى المطلق، صعّد فيه الفنان كثافة الحقيقة/الخام والواقع البحت، يتوسط العمل، المشغول بنزق أسلوبيّ عنيف، شريان ضوئي خطّ كلمة واحدة هي النهاية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/23، العدد: 10403، ص(17)]

عشرة أيام في مدينة نيويورك كفيلة بأن تضعك وسط تجربة فريدة من الصعب أن تنسى أثرها، بعد انقضاء عدة ليالي هناك أبصرت حلما غرائبيا يكاد يختصر ماهية التجربة الفريدة تلك.

حلمت بأبنية شاهقة مُتمايلة مصنوعة من مادة “الجيلو” الملونة والشفافة، كنت أسير بالقرب منها خائفة من أن تقع عليّ، غير أن بعضها كان يتراجع قبيل سقوطه، في حين أن بعضها الآخر كان يختلط مع أبنية أخرى بالقرب مني فيكتسب ألوانا جديدة قبل أن تصيبه أضواء “النيون” التي كانت هي أيضا ملونة وتشع وتنطفئ بشكل تواتري.

رافقت ذلك أصوات اشتدت وخفتت وتشابكت في ما بينها، وكانت في معظمها صدا بصريا للوحات “النيون” الإعلانية، أو تلك التي تعتمد نظم إضاءة معاصرة من قبيل “الليد لايت”، و”الليزر لايت”، أما شعوري تجاه رؤية الأبنية المُتمايلة فكان يتراوح ما بين تصديق وعدم تصديق. في الحلم، كنت أشعر بالإعياء وكانت الكلمات المُضاءة تتخابط معانيها حتى تفقد ما تشير إليه لتصبح وكأنها قائمة بذاتها ومشيرة إلى ذاتها فقط.

بعد هذا الحلم بعدة أيام بدأت أجول في شوارع نيويورك براحة أكبر، وكأن الحلم الذي أبصرته كان بمثابة “لقاح” ضد التسمم بمدينة ما بعد مستقبلية نحتها الضوء الاصطناعي، وبات من الصعب استيعابها دون إحساس بالغربة والضياع. الكثير من الفنانين ربما بداية بفناني “البوب آرت” أدخلوا أنابيب “النيون” الملون وغيرها من أنواع الإضاءة الأكثر تطورا إلى أفق لوحاتهم في إحالة مباشرة وسطحية إلى أجواء المدينة المعاصرة المشحونة بالأضواء.

ومن المعروف أن ضوء “النيون” تم استخدامه في الثلاثينات من القرن الماضي في فن اللوحات الإعلانية، وتطور هذا الاستخدام بشكل هائل وصولا إلى الحالة النيويوركية الحالية المنحوتة بالأضواء والشاشات الملونة، غير أن ذلك الفن، أي فن “البوب آرت، “المُتحد” مع الحياة المدينية المعاصرة ليس هو ما أخذتني إليه التجربة النيويوركية، ولا هو ما حملني إليه الحلم “الجيلاتيني” المُضيء.

مع مرور الزمن أخذني ذلك الحلم إلى ما تكلم عنه المفكر المعاصر جان بودريارد، لا سيما في نظريته حول الصور الزائفة والمُحاكاة؛ ذكر بودريارد أن في مجتمع ما بعد الحداثة طرأ تحول جذري على العلاقة ما بين الدال والمدلول، إذ أصبحت الصور، التي كانت في الماضي تلي أو تنبثق من المعنى المُراد الإشارة إليه أو التعبير عنه، تتقدم على المعنى، لا بل تحتل مكانه في تشابك لم يعد يفرز أي معنى. هكذا بالتحديد “تُرجمت” مدينة نيويورك في الحلم، وسببت لي الشعور بالإعياء أمام كمّ البصريات والسمعيات المُنسلخة عن معانيها الواقعية، باتت معاني ودلالات الصور والكلمات المضاءة مجرد هيئات براقة، وأصبحت هلامية واتصال الأبنية مع بعضها البعض تأكيد على غياب فكرة البنيان لصالح عالم جديد مغاير تماما.

عالم يقوم على أساس سلسلة من التبادل، المُفرغ من المعنى، ما بين الأجزاء/الإشارات، عالم غريب غير هذا الذي نعرفه، يحتوي عددا هائلا من الصور المزيفة القابلة للتكرار اللانهائي، عالم مبني على تبادل معلوماتي ظاهر في ذاته، لأنه بكل بساطة لم يعد يعني شيئا. نيويورك، المدينة الهيبريالية، وبالتحديد ساحة “تايمز سكوير” كما رأيتها في الواقع وفي الحلم أخذتني مجددا اليوم، ولكن إلى نقيضها من خلال عمل فني ضخم للفنان أيمن بعلبكي، عن الخراب بالمعنى المطلق، يعرضه اليوم في صالة “صالح بركات” البيروتية.

عمل صعّد فيه الفنان كثافة الحقيقة/الخام والواقع البحت، يتوسط العمل، المشغول بنزق أسلوبيّ عنيف، شريان ضوئي خطّ كلمة واحدة هي النهاية، شريان بارد الضوء، لم يكن ليحتاج أن يرتدي كلمة “نهاية” ليشير إليها. لا يحيد المشاهد عن صلب المعنى الذي أراد الفنان أيمن بعلبكي التعبير عنه، بل يضاعفه، ويضاعف الخراب، لأنه ينجّيه، بفعل أثيريته، من فعل النسيان.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر