الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الخطأ الإيراني الوشيك في المنطقة

الدولة الشيعية الإيرانية قد وصلت إلى حدودها القصوى، وقد غرقت في الدماء إلى الركب، ولا تستطيع الاستمرار دون ارتكاب خطأ مميت. الجميع بانتظار الخطأ الإيراني الوشيك، الخطأ القاتل.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/09/27، العدد: 10407، ص(9)]

استعراض عسكري هو الأول من نوعه في ذكرى الحرب العراقية الإيرانية شاركت فيه القوات البحرية والبرية والجوية التابعة للجيش الإيراني وحرس الثورة، إضافة إلى قوات الشرطة والتعبئة وقوات شعبية محلية.

ماذا تريد إيران من استعراض عسكري مطل على الخليج في ميناء بندر عباس تشـارك فيه 500 قطعة بحرية عـائمة وغاطسة؟ خصوصا أنه يجري في جو من التوتر السياسي مع المملكة العربية السعودية؟

من جهة أخرى وافق مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية كبيرة على إتمام صفقة عسكرية مع السعودية قيمتها 1.15 مليار دولار شملت أكثر من 130 دبابة أبرامز و20 عربة مدرعة ومعدات أخرى للسعودية. هذا معناه أن المنطقة تشهد تصعيدا غير مسبوق بسبب الاستفزاز الإيراني.

في اليوم الـذي انطلقت فيه الاستعراضات العسكرية الإيرانية، ومن مجلس الجمعية العامة للأمم المتحدة كرر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف دعوته إيران إلى التحلّي بحسن الجوار وتحسين العلاقات؛ “ندعو السلطات الإيرانية للقيام بواجباتها في هذا الشأن وفق مقتضيات القانون الدولي، وأن تكون علاقة إيران مع دول المنطقة قائمة على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإنهاء احتلال الجزر الإماراتية الثلاث”.

ومن الـ“وول ستريت جورنال” كان مقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قويا وما زالت أصداؤه تتردد في الإعلام الدولي والعربي، حيث قال “إنها الأيديولوجية الخمينية، تدفعها شهية التوسع ويغذيها كره العالم الغربي وتُحفّزها النعرة الطائفية، من أثار وأجج التطرف”.

وفي العراق الذي تحكمه إيران بالوصاية شهدنا في الأيام القليلة الماضية طرد السفير السعودي من بغداد ثامر السبهان، وسحب الثقة من وزير الدفاع السني خالد العبيدي، وسحب الثقة من وزير المالية الكردي هوشيار زيباري.

إن الجبهة الشيعية تنكمش على نفسها أكثر فأكثر. وهناك أنباء عن عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى الحياة السياسية رغم سجله الطائفي والدموي.إيران تصعـد من لهجتها الحربية؛ تصريحـات خامنئي ومقـالات وزيـر الخارجية محمد جواد ظريف، وتصريحات الجنرالات الإيرانيين والاستعراضات العسكرية. من الواضح أن الجبهة الإيرانية تزداد عزلة.

بركة الدم التي تغرق فيها إيران اليوم تشكل خطرا على مستقبل الشعب الإيراني نفسه، أكثر من كونها تشكل خطرا على أعداء النظام الإيراني

فما هي هذه المعركة التي تخوضها إيران والتي في الظاهر تستهدف السعودية وإسرائيل؟ وما هذا الإرهاب السني الذي باسمه ستحقق إيران هدم سوريا والعراق واليمن، وتحطيم إسرائيل، وانتزاع الكعبة من آل سعود؟

إن بركة الدم التي تغرق فيها إيران اليوم تشكل خطرا على مستقبل الشعب الإيراني نفسه، أكثر من كونها تشكل خطرا على أعداء النظام الإيراني. خذ مثلا استعداء السنة والأكراد في العراق بهذه الطريقة الفظة، وتشكيل جبهة واسعة لإرباك المنطقة، لا يبدو كل ذلك مفهوما. خصوصا إذا كان يتم باسم الدين، فما هو هذا الدين الإيراني المزعوم الذي يستحق كل ذلك؟

اعتقد بأن الأمور قد تم سحبها إلى حدودها القصوى، والمستقبل لن يكون سوى الانهيـار الشامل.

لقد سعت إيران إلى الدخول في النادي العالمي والحرب على الإرهاب السني، وحققت نوعا من النقاط من خلال الاتفاق النووي، إلا أن إيران نفسها، وعلى لسان المرشد الأعلى، اعترفت بأنها تعرضت لنوع من الخداع الأميركي، وأن البنك المركزي الإيراني ما زال تحت العقوبات، ولا يحق له التعامل المباشر بالدولار، الأمر الذي يجعل إيران حريصة على تحويل العراق إلى محفظة نقود من خلال تأجيج التفكك الطائفي والأزمات وتشكيل الميليشيات على حساب الجيش الوطني العراقي.

اليوم سيدة من الفلوجة تقول “للمرة الثانية خلال أسبوع ميليشيات الحشد تقتحم مدينة الكرمة وتعتقل 12 مدنيا ممن عادوا مؤخرا إلى منازلهم، ولا يعلم مصيرهم حتى الآن. وكانت حوالي 700 عائلة دخلت المدينة منذ سيطرة القوات الأمنية والحشد عليها”.

كما أن إيـران لم تنجح في جـذب الصفقات الأجنبية، ولا يبدو أن هناك أي تحسن ملموس في حياة الشعب الإيراني.

اعتقد أن إيران، بالمحصلة، تحول الهامش العـراقي والسـوري إلـى أرض محـروقـة كنوع مـن الهـروب إلى الأمـام. فلـم تعـد نظرية الممانعة والعداء لإسرائيل مقنعة، بالعكس تبدو إسرائيل دولة صديقة وعقلانية اليوم مقارنة بالجنون الإيراني الطائفي الذي استفز كل هذا التطرّف السني في المنطقة.

يبدو شيعة العراق أنفسهم غير مقتنعين تماما بالزعامة الإيرانية، بل يتصرف الكثيرون منهم كما لو أنهم مختطفون أو متورطون في هذا الجنون الإمبراطوري الإيراني الذي لا يتحقق إلا بالتصعيد الطائفي والكراهية، وبالشعارات البالية التي تهدد دولة إسرائيل بلا سبب.

يقول الكاتب العراقي الوطني علي الحسيني “بدت المدينة شاحبة، أقرب إلى مخيم لاجئين أُقيـم وسط العراء، كارثة بصرية في العمران، توتر محسوس في الوجوه. ما رصدته خلال نهار وليلة قضيتهما في سامراء أمر فظيع، ميليشيات ضخمتها الكراهية والانتقام، تدوس على مئات السنين من التعايش “السلمي” وتمارس إذلالا “حقيرا” ضد مواطنيها، إذلالا يأخذ تمظهرات عديدة، بدءا بمحاصرتهم بشعارات طائفية، مرورا بالتضييق على مصادر معيشتهم، وانتهاء إلى إشعارهم بأنهم غير مرحب بهم أو أنهم مجتمع مشبوه، يتحتم مراقبته باستمرار. كشخص انتمي إلى عائلة شيعية، أشعر بالخجل و“العار” مما تفعله تلك الميليشيات في سامراء”.

إن الدولة الشيعية الإيرانية قد وصلت إلى حدودها القصوى، وقد غرقت في الدماء إلى الركب، ولا أعتقد بأنها تستطيع الاستمـرار دون ارتكـاب خطـأ مميـت. الجميـع بانتظار الخطأ الإيراني الوشيك، الخطأ القاتل.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر