الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

زمن التحرش الإلكتروني

هنالك من تلقت ركاما هائلا من السباب وأشد الكلام بذاءة من نفس الأشخاص الذين امتدحوها لا لشيء سوى أنها أوقفت الشخص عند حدود معينة في الحوار.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/09/27، العدد: 10407، ص(18)]

مرّ الزمن سريعا خاطفا لتتحول العلاقات بين البشر إلى المرحلة الرقمية، كأن يقع الاتصال بشكل فوري، مباشر وبسهولة لم تكن متوقعة من قبل..

اختصر هذا التحول في تاريخ البشرية كثيرا جدا المشاق والمصاعب التي كانت سائدة لغرض التواصل بين الناس وكان نعمة عظيمة ومنجزا هائلا. لكنه في نفس الوقت أدخل المجتمعات البشرية في دوامة لا تكاد تنتهي تجلت من خلالها عيوب تلك المجتمعات وقاعها السفلي.

صار العالم الرقمي فاضحا لسلوك الناس، شفافا بما فيه الكفاية لإظهار ما هو مخفي.

لكن المتحاذقين استعدوا أيضا لتلك الفضيحة، فراحوا يتسللون من نافذة إلى أخرى بأقنعة وأساليب شتى..

أتاح ذلك لمدمني التحرش أن ينقلوا سلوكهم إلى الفضاء الرقمي، العالم العربي مثلا يعج بقصص هؤلاء، لا تكاد فتاة تستخدم اسمها وصورتها الحقيقية في صفحتها الشخصية حتى تنتهك خصوصيتها. يتدفق المتحرشون بصفات وأشكال وأعذار وخدع شتى.

الكثيرات هن اللائي يشكين بشدة من ذلك، لكن الأمر يصل إلى مفارقات مضحكة من قبيل أن يرسل المتحرش سيرته الذاتية وأوصافه وأنه كائن استثنائي، هناك من يقدم مباشرة عروضا للزواج وهناك من يتسلل للكاتبات والشاعرات بصفة صحافي يرغب في إجراء مقابلة صحافية وخلال ذلك يندلق مديحه المجاني حول عبقرية تلك الشاعرة وفيض الأنوثة الغزير الذي يتدفق من أشعارها.

هناك تحرش المثقفين أيضا من خلال كم مبالغ فيه من عبارات “ما أروعك سيدتي وما أروع ما خطته أناملك الرشيقة”، ومن قبيل “إن شعرك يضيء ظلمات هذا العالم ويمنحني شخصيا متعة خاصة حتى صرت مدمنا على قراءة إبداعك بشكل يومي”.

في حالة حُسن النية والميل الإنساني الفطري للإشادة بالذات ستصدق الكاتبة والشاعرة ذلك الركام من المديح والإطراء المجاني، لكن غالبا ما سيظهر ما وراء الأكمة ألا وهو التحرش ولا شيء سواه.

هنالك من تلقت ركاما هائلا من السباب وأشد الكلام بذاءة من نفس الأشخاص الذين امتدحوها لا لشيء سوى أنها أوقفت الشخص عند حدود معينة في الحوار. أما التسلل من الشبّاك أي من خلال البريد الخاص “إنبوكس” في وسائل التواصل الاجتماعي فحدّث ولا حرج، وتجد الكثير ممن لديهن صفحات على فيسبوك مثلا يكتبن بصريح العبارة أنهن لا يرحبن بالتشات عبر إنبوكس ومن يريد أن يقول كلمة فليقلها على الملأ وبذلك ييأس لص التحرش وتنقطع به السبل فيبحث عن ضحية أخرى.

بالطبع لا توجد قوانين ولا روادع تردع المتحرشين، أقصى شيء أن تقوم الضحية بحجب صفحة المتحرش للحيلولة دون تواصله معها وما عدا ذلك، فإن مدمني التحرش هم ممن يصنفون علميا على أنهم سايكوباتيون يحتاجون استشارة طبية نفسية، فضلا عن أن انعدام الردع القانوني بحق المتحرشين إلكترونيا يدفعهم للمزيد من إيذاء الآخرين وإزعاجهم والتغلغل في خصوصياتهم.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر