الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

بين سلالتين

ثمة قلة ثقافية تمثل فكر طه حسين هي صوت العلم والاجتهاد... وثمة في المقابل، على الدوام، شريحة واسعة من العقاديين ممن يمتد هوسهم بالكثرة من الجمهور إلى المؤلفات.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/09/28، العدد: 10408، ص(15)]

حين نعود إلى جذور المواقف السياسية لرواد النهضة العربية يطالعنا بوضوح انتماء أهمهم إلى تيارات سياسية لم تكن جماهيرية ولم تحظ يوما بتأييد شعبي، فالمفكر والباحث والمؤرخ الذي يضع لبنات مشروع مجتمع جديد، يتوجس دوما من الغالبية المأخوذة بالظاهر والسطحي والمشدودة إلى الماضي، هكذا أوحى طه حسين بشجاعة حين كتب مقالته الشهيرة عن مسرحية “أهل الكهف” لتوفيق الحكيم، وكذلك انخرط في الشأن الثقافي والسياسي لمجتمع عجز عن الانتماء إلى العصر، لم يكن يداري نفوره من “الوفد” ولا من زعيمه سعد زغلول، وانتسب إلى حزب نخبوي هو “الأحرار الدستوريون”، كما لم يتصالح وجدانه يوما مع أي نزوع ثوري بمصر، منذ ثورة عرابي، تمثل الأمر في عمقه كمغامرات غير عقلانية صادرة عن شرائح معادية في مضمون ثقافتها لروح العصر واشتراطاته، ولم يكن طه حسين مهووسا باسترضاء الجمهور ولا مبتغيا الوسيلة لأحزاب الأكثرية، كان يرى فيها صوتا لجماعة أهل الكهف المناقضة لفكره وما يسعى لإشاعته.

في مقابل فكر طه حسين وممارسته المنحازة إلى الندرة العميقة والمؤسسة وما يتصل بها من عقلانية وتطلع إلى المستقبل، أنتج لنا عصر النهضة نموذج عباس محمود العقاد ممثلا لما يمكن تسميته اليوم بالمثقف الجماهيري الذي لا ينطلق من أطروحة فكرية واضحة، وإنما يتنقل بين الأهواء والمنازع الفكرية بحسب الهوى العام، لهذا لم يكن غريبا أن يكون أكثر الكتاب ادعاء لما لا يمتلكه من مواهب، وأشدهم عداوة لأهم التيارات الفكرية الحديثة من الماركسية إلى الوجودية مرورا بما تولد عنهما من تيارات فكرية ونقدية وجمالية، ومنافحا عن كل ما له علاقة بالجماعة والأمة وبالتاريخ الديني، ممثلا صيغة نموذجية للمثقف التلفيقي المكافئ بين الأضداد فهو ضد الاستبداد ومع عبقرية الخلفاء الراشدين، ومع التقدم وضد الفكر الاشتراكي، ومع العقلانية وضد طه حسين، وما يستتبعه هذا التلفيق من هوس بالسجال والخصومات الأدبية وتحبير للآلاف من الصفحات، وتبسيط مخل ينفذ لمدارك البسطاء.

أتمثل اليوم هذين الصوتين بوصفهما أصلين مولدين لسلالتين متجاورتين في فكرنا العربي المعاصر، حيث ثمة قلة ثقافية تمثل فكر طه حسين هي صوت العلم والاجتهاد، لأجل تحديث المجتمع والانتقال به إلى عتبات النهضة، وإنجازها لا يقاس بالانتشار وكم الأدبيات والمنابر وإنما بقيمة الأفكار المقدمة. وثمة في المقابل، على الدوام، شريحة واسعة من العقاديين ممن يمتد هوسهم بالكثرة من الجمهور إلى المؤلفات، يكتبون في كل شيء وعن أي شيء، وينقلون وينتحلون ويلفقون، كالعقاد تماما، ويناهضون في العمق آليات العلم والنهضة، ويغوصون دوما في مستنقع أحزاب الأكثرية العقائدية لأنها المجن الحقيقي الذي يحمي بلاغتهم المظهرية ونزوعهم الأصولي.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر