الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

محنة المؤلفين

عندما تقول للناشر كيف تنشر وأنت تخسر؟ يقول لك إنهم لا يطبعون من كتابك أكثر من ألف نسخة، وأحيانا 500 نسخة، لكي يروا أولا كيف ستسير الأمور.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/09/28، العدد: 10408، ص(16)]

في أوائل التسعينات أصدرت كتابي الأول في القاهرة عن دار نشر صغيرة، لكنها كانت في ذلك الوقت تملأ السمع والبصر بما أصدرته من كتب أحدثت وقتها ضجة كبيرة بسبب جرأتها.

وبموجب عقد مع الناشر تم طبع خمسة آلاف نسخة من الكتاب، أظن أنها نفدت جميعها بعد فترة قصيرة، وأظن أن الناشر قد طبع المزيد من النسخ دون أن يطلعني على الأمر، كعادة معظم الناشرين العرب، بل إن الناشر نفسه رفض أن يلتزم بالعقد ويدفع النسبة المتفق عليها نصا في العقد بعد مرور ستة أشهر من الصدور، مما استوجب الذهاب إلى القضاء، وإنفاق الجهد والوقت والمال، إلى أن حصلت على حقوقي المادية بعد نحو ثلاث سنوات من صدور الكتاب، مع تغريم الناشر غرامات إضافية، ولم أفهم أبدا لماذا تصرف الناشر هكذا، رغم علمه أن قضيته خاسرة؟

لم أكن بالطبع الوحيد الذي تعرض لهذا التلاعب من جانب هذا الناشر تحديدا، بل تعرض عدد من كبار الكتاب منهم المستشار محمد سعيد العشماوي صاحب سلسلة الكتب الشهيرة عن الفكر الإسلامي الحديث، الذي قامت دار النشر بـ”النصب” عليه، رغم أنها أصدرت طبعات متعددة من كتبه كسبت من ورائها الكثير، ولا أعرف ماذا فعل المستشار؟ لكن ما أعرفه أن دار النشر سرعان ما أفلست وأغلقت بعد أن تراكمت عليها الديون وساءت سمعتها ولم تعد إلى ساحة النشر أبدا.

يجد المؤلف العربي نفسه في محنة حقيقية، فدور النشر تمتنع عن نشر الكتب المهمة في القضايا الفكرية الجادة، إلّا إذا كان الكاتب من “مشاهير الفضائيات”، أي ممن يظهرون يوميا، يعلقون على كل القضايا في كل القنوات الفضائية، وإذا تحمست إحدى دور النشر لنشر كتابك، فإنها لا تلتزم بدفع حقوقك المادية، وعندما تتحدث في الموضوع، يقال لك إنهم يطبعون الكتب بالخسارة، رغم أنهم يعتمدون أساسا، على البيع من خلال معارض الكتب في العالم العربي التي يحصلون على مداخيل الكتب منها بالدولار وليس بالعملات المحلية، وبأسعار مختلفة عن أسعار السوق الداخلية.

وعندما تقول للناشر كيف تنشر وأنت تخسر؟ يقول لك إنهم لا يطبعون من كتابك أكثر من ألف نسخة، وأحيانا 500 نسخة، لكي يروا أولا كيف ستسير الأمور.

أما دور النشر الحكومية فهي لا تنشر سوى لأصحاب الحظوة والمرضي عنهم من الأجهزة الرسمية، وإذا تكرموا عليك ونشروا كتابك، فيدفعون لك حفنة من جنيهات لا توازي ما يحصل عليه الكاتب مقابل نشر مقال واحد في جهة محترمة.

والنتيجة أنك تتردد كثيرا في تخصيص الوقت وبذل الجهد، لتعكف على تأليف كتاب من الصفر، بما يقتضيه هذا من جهد في البحث والمراجعة وشراء المراجع، وربما أيضا الاستماع إلى شهادات الشهود، والسفر من بلد إلى بلد، ومراجعة العشرات من الأفلام بالمشاهدة وغير ذلك.

في وقت ما، رفعت شعارا ساذجا يقول إنه من الضروري أن يخوض كل مؤلف، ولو مرة واحدة في حياته، تجربة النشر، أي يتحمل تكاليف إصدار كتاب من كتبه على نفقته الخاصة، وقد طبقت هذا الشعار، فقمت بإصدار كتابي الأول الذي كنت أعرف أنه نفد تماما في الأسواق، على نفقتي الشخصية، وكانت النتيجة أني فشلت في توزيعه، وانتهى الأمر إلى توزيع الكثير من النسخ على الأصدقاء، وظل ما تبقى، داخل صناديق تزدحم بها غرفة مكتبي حتى اليوم.

وقد ذهلت وأنا أراجع، حديثا، ما كتبه الدكتور لويس عوض قبل خمسين عاما، في تقديم كتابه الشهير “على هامش الغفران” الصادر عام 1966، وهو يذكر أن سلسلة “كتاب الهلال” وزعت من كتابه “البحث عن شكسبير” نحو ثلاثة عشر ألف نسخة في شهر واحد رغم أنه سبق نشره، كما وزعت سلسلة “الكتاب الذهبي” من كتابه “مذكرات طالب بعثة” عشرة آلاف نسخة في عشرة أيام.

لا شك أنه كان العصر الذهبي للكتاب، بل والعصر الذهبي للنشر أيضا.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر