الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

عشر حبّات من الرُز

لست متشائمة لأنني أثق بقدرات أهلنا على الرغم من كل شيء.. وأثق جدا أن الكثيرين يستطيعون التحرك لابتكار كل ما يمكنه أن يجعل عالمنا أكثر إنسانية وتحضرا.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/09/28، العدد: 10408، ص(21)]

سمعت عن الموضوع من إحدى المربيات الفاضلات التي تعمل في مدرسة ثانوية إنكليزية.. وكانت تنصح طلابها الذين يعدّون أنفسهم لامتحانات الثانوية العامة البريطانية باستخدام أحد المواقع الإلكترونية المتخصصة لتطوير لغتهم.. وقد عجبت لاسم الموقع الذي لا يدل على أي شيء له علاقة لا باللغة ولا بالدراسة ولا حتى باللعب.. فاسم الموقع هو: “رُز بالمجان!” أو “فري رايس دوت كوم!”.. وهي طريقة مبتكرة تختبر قوة مفرداتك ومعرفتك باللغة الإنكليزية وتغنيها وتطورها.. وشعارها: العب وأطعم جياع العالم!

وإذ استبدّ بي الفضول هرعت إلى “عمّـنا غوغل العظيم”.. وطبعت الحروف بتأنٍّ لتظهر أمامي الصفحة وتطالعني العبارة التالية: “حارب الجوع وأنت تتعلم.. فكل إجابة صحيحة تجعلنا نتبرع باسمك بعشر حبات من الرز!”.. ولا عجب فالموقع تابع لبرنامج الأغذية العالمي للقضاء على الجوع.. أحد التشكيلات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.. وهو موقع رصين تعاونت فيه جهات كثيرة لتقديم خدمات إنسانية حقيقية.

لا أستطيع أن أصف شعوري وأنا أتصفح الموقع وأقرأ تفاصيله وطريقة اللعب والاستفادة والمتعة.. بالإضافة إلى التعريف بطرق أخرى كثيرة للتبرع وإغاثة المحتاج.. وجدت نفسي أمام صفحة إلكترونية في غاية الذكاء.. لا تعنى بالتعليم فقط ولا بالتبرع فقط.. بل تعنى بتنشئة الطفل تنشئة صالحة وتنمية حب العطاء لديه بطريقة سهلة ممتعة ومسلية.. وبدل أن يكافئك الموقع بصورة أو موسيقى أو تصفيق حين تربح تجده يكافئك بأن يتبرع باسمك لإطعام جائع!

لم أتردد طبعا في خوض اللعبة التي تتلخص بالتالي: تضغط زر البداية فتنفتح الصفحة أمامك.. ويطالعك سؤال بسيط: كلمة “كذا” تعني… ويعطيك أربعة احتمالات لمعاني مرادفة للكلمة المعطاة.. فتختار المفردة الصحيحة بحسب معلوماتك.. وإذا كانت إجابتك صحيحة تجد على يمين الصفحة صحنا كان فارغا وغدا بإجابتك يحتوي على البعض من الرز.. مع عبارة تقول “لقد تبرعت الآن بعشر حبات من الرز”.. وما إن تواصل اللعب حتى يرتفع مستوى الأسئلة بحسب إجاباتك.. وتزداد معه كمية الرز بالتدريج.

وجدت نفسي لا أستطيع التوقف أو ترك الصفحة حتى أكون قد أتممت التبرع بكيلوغرام أو اثنين أو أكثر.. شعور لا أستطيع وصفه.. لكن أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه مشوب بفرح غامر وارتياح داخلي عجيب.. فأنا لا أضيع وقتي.. ولا ألعب فقط أو أتعلم فقط أو أذكي معلوماتي وأحرك الماء الساكن في ذاكرتي.. بل لقد وجدت نفسي كلما تعلمت أكثر وأشبعت متعتي ومعرفتي كلما أحسست بشبع الروح والعاطفة.

وبلا شك فقد سكنني عالمنا العربي المنكوب بحروبه ودكتاتورياته ومافيات فساده.. والغارق في الجهل والفقر والجوع والتشرد.. وكم تمنيت من صميم قلبي أن تنشط فيه مؤسسات مدنية تنمي حب العلم والمعرفة مثلما تنمي الإحساس بالتكافل وقيمة الإحساس بالآخرين.

لست متشائمة لأنني أثق بقدرات أهلنا على الرغم من كل شيء.. وأثق جدا أن الكثيرين يستطيعون التحرك لابتكار كل ما يمكنه أن يجعل عالمنا أكثر إنسانية وتحضرا..

صباحكم عطاء..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر