الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

زمن المسدسات

لا أعتقد أن المسدسات التي استعملها الإرهاب لقتل رموز الفكر والحرية في منطقتنا العربية سيكون لها ثمن في المستقبل، ولكنها ستبقى دليلا للأجيال القادمة عما واجهته أجيال سابقة ويواجهه الجيل الحالي من الإجرام باسم الدين.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/09/28، العدد: 10408، ص(24)]

بعد أن اخترع المسدس في العام 1839، قال صمويل كولت جملته الشهيرة “بداية من اليوم يستوي الشجاع والجبان”، وفي 1862 توفي كولت، ليس بطلقة مسدس وإنما بمرض النقرس، ليترك العالم من بعده يواجه الموت بأسلوبه المبتكر، وعبر العقود المتلاحقة مات الملايين من البشر برصاص المسدسات إما في مواجهات على شكل معارك الكوبوي وإما غدرا.

صباح الأحد الماضي، استعمل أحد المتشددين من ذوي العقول المقلوبة والإرادة المسلوبة مسدسا في اغتيال المفكر والكاتب الأردني ناهض حتر على درج وزارة العدل في مشهد دام، أثبت طبيعة المواجهة التي يعيشها وطننا العربي بين ثقافة الموت وثقافة الحياة، وبين الجدل الفكري بما يمثله من وسيلة مجدية لبلورة الثوابت وتحرير العقل والقبول بالآخر ونشر التسامح والعقلانية، وبين لغة الإقصاء من الحياة ذاتها عبر الإعدام المعنوي والمادي.

كان المسدس في مراحل مختلفة وسيلة لتصفية الحسابات، يستعمله الشجاع في مواجهة الموت، ويستعمله الجبان في مواجهة الحياة، ويبدو المسدس الكاتم للصوت صاحب الدور المهم في فتح المجال أمام الجبناء كي ينفذوا أهدافهم.

ولأن المسدسات تصنع التاريخ، فقد بات تاريخها يحدد ثمنها، ففي العام 1987 بيع مسدس ذهبي 7.65 ملم من نوع “والتر” بمبلغ 114.000 ألف دولار في مزاد علني لمزايد مجهول، ومن يومها تناقلته الأيدي عدة مرات، وسر أهمية هذا المسدس أن عائلة والتر أهدته في العام 1939 إلى الزعيم النازي أدولف هتلر بمناسبة عيد ميلاده الخمسين.

الأغلى من مسدس هتلر، هو مسدس وايت ايرب، بطل الكوبوي الشهير الذي بيع في مزاد عام 2014 بـ 225.00 ألف دولار.

والأغلى من مسدس ايرب هو مسدس من نوع “سميث أندويسون” عيار 44، قتل به قاطع الطريق الشهير جيسي جيمس في العام 1880 وقد بيع في العام 2003 بسعر 350.000 ألف دولار، إلا أن هذه الأسعار تبدو متواضعة أمام سعر مسدسات سيمون بوليفار الزعيم اللاتيني، التي بيعت في العام 2004 بسعر 1.687.500 مليون دولار، ومسدسين اثنين لجورج واشنطن من نوع “سادل” بيعا بمبلغ 1.986.000 مليون دولار.

في هذه الزحمة من الأرقام هناك مسدس لا يقدر بثمن بحسب الأخصائيين، يعرض حاليا في المتحف الوطني الأميركي، ثمنه الأصلي 25 دولارا دفعها صاحبه جون ويلكس بوث ليطلق منه طلقة واحدة في 14 أبريل 1965 كانت كافية لتقتل الرئيس إبراهيم لينكولن محرر العبيد، في أول عملية اغتيال ناجحة طالت رئيسا أميركيا.

لا أعتقد أن المسدسات التي استعملها الإرهاب لقتل رموز الفكر والحرية في منطقتنا العربية سيكون لها ثمن في المستقبل، ولكنها ستبقى دليلا للأجيال القادمة عما واجهته أجيال سابقة ويواجهه الجيل الحالي من الإجرام باسم الدين، والقتل على الهوية، والإعدام الميداني برصاص الغدر الذي يستعمله الجبناء في مواجهة العقل المتحرر والمنطلق نحو فضاءات الإبداع والتأسيس لما هو أجمل وأفضل وأكمل.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر