السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

شروق أمين ترصد بألوانها عالما لا حدود لجنونه

  • قدمت الفنانة التشكيلية الكويتية/السورية شروق أمين مجموعة لوحات في صالة “أيام” بالعاصمة اللبنانية بيروت، تحت عنوان “إنه عالم مجنون”، أمعنت من خلاله في الكشف عن الآفات الاجتماعية التي يعاني منها العالم العربي الذي تنتمي إليه بفخر، وترجو له كل المتغيرات التي تساهم في إزاحة الضرر عنه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/30، العدد: 10410، ص(17)]

رسوم تستعيد أليس من بلاد العجائب

بيروت - تنوعت أطروحات المعرض الشخصي الجديد “إنه عالم مجنون” للفنانة التشكيلية الكويتية/السورية شروق أمين بين الشؤون الاجتماعية والسياسية، ولكن مع تركيز جليّ على الشق الاجتماعي، فهو منطلق كل فكر أو ممارسة سياسية.

طريقها لم يكن سهلا، بل كان محفوفا بتهديدات القتل ومنع عروضها وإقفال لمعرضها الفني الأول في بلدها الأم الكويت الذي حمل عنوان “إنه عالم الرجل”، بعد ثلاث ساعات على افتتاحه، لكن ذلك لم يمنع فنها من الانتشار في العالم العربي والغربي.

أخذت الفنانة على عاتقها منذ بداية مسيرتها الفنية تناول المواضيع الشائكة المتعلقة بالأعراف السائدة، وذلك بالرغم من انتقاد البعض من زملائها الفنانين لها والذين اعتبروها أخطأت بفتحها لـ”صندوق باندورا” في وجههم جميعا.

المعرض الذي قدمته شروق أمين مؤخرا في صالة “أيام”، هو تأكيد وإظهار لمسارها الفني والمحفوف بالمخاطر، وإن لاقى أخيرا الترحيب والدعم.

وتعتبر الفنانة أن ما وصلت إليه من قبول هو أمر يعكس بداية التحولات أو على الأقل هو تظهير لما كان يعتمل في نفوس الكثيرين من رفض ضمني لما يحدث في المجتمع العربي، لا سيما في ما يتعلق بالمرأة الكويتية بشكل خاص والعربية بشكل عام.

لعل أكثر ما يدفع الناظر إلى الإعجاب بلوحاتها ما تقدمه من أفكار، تنطلق من أهمية الحفاظ على الهوية وجمالية الخصوصية العربية لتنتقد شوائبها وتسعى إلى تغييرها في أعمالها، ليست شروق أمين من الذين يتبجحون بالخروج عن المجتمع العربي لاحتضان القيم الغربية، بل تقوم نظريّتها على الجمع ما بين أفضل ما يوجد في العالمين.

تقول الفنانة “لا شيء أقوى من الفن لمواجهة كوابيس السياسة والحروب والظلم والنفاق والزيف”، و قولها مُترجم “حرفيا” في كل عمل فني علقته على جدران الصالة.

هي فنانة معنية تماما بشؤون وشجون بلدها والمنطقة لا سيما الشؤون الاجتماعية منها، تؤمن بأن الفن قوة في خدمة المجتمع الذي تستقي منه مواضيعها الجدلية، لا خوف من أن تنضب مصادر وحيها، لأن هذا النبع المُعتم الذي قررت أن تنهل منه دون توقف، فياض ولن يتوقف عن رفدها بما تريد الإضاءة عليه، على الأقل ليس في المدى القريب، غير أن الفنانة تؤمن، وهي مُحقة في ذلك، بأن التلوث لا يصيب إلاّ النقاء، والنقاء هو الأصل وسيكون الخاتمة.

شروق أمين: لا شيء أقوى من الفن لمواجهة كوابيس السياسة والحروب والظلم

تؤكد الفنانة ذلك حين تقول “الفن هو سلاحي لمواجهة العالم وتغييره، أنا أعلم بأن كلمة “تغيير العالم” تثير الريبة، ولكن، وعلى سبيل المثال، عندما تقوم بشراء خيمة للاجئين أو إطعام عائلاتهم، أليس ذلك تغييرا في الحياة؟ حين نرعى طفلا ليتعلم أو نعلم الأطفال احترام المرأة بشكل أكبر، ألا يعني ذلك أننا نؤهل الرجال بشكل أمثل للمستقبل؟”.

تذكّر أعمال الفنانة شروق أمين برواية “أليس في بلاد العجائب” لناحية ضجيج الألوان والأجواء الغرائبية المُنسجمة تماما بفنية عالية مع شخوص واقعية عمدت الفنانة إلى تقليص أحجامهم، ليصبحوا أشبه بدمى بيد معظم الأعراف والتقاليد التي تحركهم في تناقض وبهتان.

تلعب المرأة دورا محوريا في معظم لوحاتها التي تناولت، وعلى سبيل المثال، نساء البدو في الكويت معدومات الجنسية، وغيرهن من النسوة اللواتي هن ضحايا مجتمعهن.

من لوحات الفنانة نذكر ثلاث لوحات، ربما هي الأكثر دلالة على المأزق الذي تشكله المرأة للهيمنة الذكورية، اللوحة الأولى ينطق بمضمونها عنوانها الذكي “من يهاب المرأة القوية- الشجاعة؟” في إحالة مباشرة إلى أغنية كلاسيكية لأحداث السن بعنوان “من يخاف من الذئب القوي والشجاع”، وتبدو في اللوحة امرأة عملاقة (تشبه الفنانة) قياسا إلى الغرفة التي أثاثها مرسوم رأسا على عقب.

غرفة تجلس فيها “بطلة” اللوحة تماما كما تجلس أليس في مشاهد من قصتها في بلاد العجائب، يفرّ من لمسة يد المرأة-العملاقة غير المبالية سرب من رجال بمختلف الأعمار وبأحجام “منمنمة” وهزلية، أما اللوحتان الأخريان فتمثلان حالة زواج الفتيات الصغيرات المأساوية، لوحتان رائعتان تشحنهما الفنانة بكل ما أوتيت من ثورة وحب، ووضوح جارح.

“تسكب” الفنانة جرعات هائلة من الأفكار في لوحاتها، أفكارا حاصرتها من كل جهة لتبرزها بأسلوب فني لافت يجمع ما بين وسائط فنية متعددة شملت الرسم والكولاج والتصوير الفوتوغرافي.

نزعت الفنانة الأقنعة عن التناقض والزيف في المجتمعات غير مبالية بالعواقب، تناولت مواضيع غير مُحبب تناولها كالزيف في علاقة الزواج، وثنائية المعايير، والصراع، أو الصدام ما بين الحداثة والتقاليد، والنفاق، والجنس، وسيادة مفهوم الاستهلاك والاستماتة في اللحاق بالموضة، والهوة ما بين الفقر والغنى في مجتمع واحد والاستعراض وسط خرائب مدينية لا تخلو من نفحة سريالية، وبالرغم من الكمّ الهائل من الرسائل المربكة التي أطلقتها الفنانة بقيت لوحتها معنية بهم جماليّ واضح المعالم دعم نصها الذهني ولم يشوشه على الإطلاق.

قد تكون شروق أمين فتحت “صندوق باندورا” في وجه الجميع، كما قال البعض من زملائها الفنانين، غير أنها لم تفعل ذلك فضولا، أو لهوا أو استخفافا بمسببات أو نتائج الاهتراء في البعض من جوانب المجتمع العربي، الأهم من ذلك هو أنها، كما “باندورا” سيدة الأسطورة، مكنت الأمل من الانتشار في لوحاتها في هيئة ألوان وبراعم ورود، ذكرتها الفنانة يوما بهذه الكلمات “أحضرت براعم الزهور إلى اللوحات لإيماني بمجتمع سيكون له مستقبل أكثر إشراقا”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر