الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

سعيد الوايل يروي 'سيرة لوحة' تنبض بالتراث السعودي

  • يتضمن معرض “سيرة لوحة” لسعيد الوايل مجموعة من اللوحات الفنية استقاها الفنان التشكيلي السعودي من معايشته للحياة التقليدية القديمة وتشكيله للوحة الفنية الحديثة، وهو الذي يعتبر أن ثمة تقاربا بين مفهوم اللوحة في الماضي والحاضر، لكن الشكل والأدوات يختلفان باختلاف العصر الذي ظهرت فيه اللوحة، وربما تظهر لوحة المستقبل كلوح زجاجي إلكتروني يرصد حركات الناس وأقوالهم، وتتم ترجمتها لوحة فنية، فلا تعود هناك ألوان ولا فنان.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/09/30، العدد: 10410، ص(17)]

ألوان ترصد حركات الناس وأقوالهم

يحاول التشكيلي السعودي سعيد الوايل في معرضه الأخير “سيرة لوحة” في صالة عبدالله الشيخ للفنون في الدمام (شرق السعودية) أن يجسّر المقاربة بين مفهوم اللوحة في الماضي والحاضر.

واللوحة في المفهوم التراثي عند أهل الأحساء هي ذلك الجدار أو السور الطيني الشاهق المنيع، الذي كان يطوق المدينة من كافة جهاتها، والذي يقف الفنان الوايل منه موقف المتأمل بين مفهوم اللوحة قديما وحديثا، محاولا استلهام قيم إنسانية وتراثية لمدينة كان أهلها يعيشون داخل “لوحة”، ظلت صامدة مئات السنين تترصد الأعداء وتحمي من بناها وتترقب كل حدث، تمر بها مواكب الأفراح والأحزان وقوافل التجار والمسافرين، وأصوات الباعة والمتجولين والأطفال، ويعتليها الجنود والمصورون مبهورين بهذا المنظر الفريد الذي أطّرته جدران اللوحة.

قال عن تجربته الناقد السعودي محمد الحرز “الموروث هو المنصة التي تنهض عليها أعمال سعيد الوايل الفنية، وكذلك أبحاثه حول الأبواب والنقوش المحلية والخليجية من منظورها التاريخي والجمالي، وهو فيما يتوزع منجزه على هذين الجانبين يكون قد أوجد صلة وثيقة بين ما يفكر فيه على مستوى الكتابة البحثية وبين منظوره الجمالي في فضاء اللوحة والألوان”.

وفي حديث لـ”العرب” عن تجربته الأخيرة ومناخاتها وهواجسها وقلقها وأسئلتها، يقول سعيد الوايل “يتنامى في مخيلتي كثيرا أن فترة الطفولة والصبا التي عشتها والمكتظة بصور وقصص وأحاجي الجدات والآباء لم تنتهي، وإنني مازلت أمرّ عبر تلك “السوابيط” المظلمة تظللها غرف الجيران المعلقة فوق الطريق، في حي الفوارس وسط مدينة الهفوف، وإن رسوماتي مأخوذة من تلك الأشباح أو الوجوه المضحكة والمخيفة أحيانا، والتي كنا نرسمها على الجدران، عندما كنت أرمي بكتل الحجارة الجيرية الهشة للصبيان من خلفي حيث يهرعون إلى تلك الجدران المسكونة بأنفسهم البريئة، في غفلة تامة عما يجري خلفها”.

ويتابع الوايل “كانت القصص المثيرة التي ترويها الجدة والتحذيرات التي تخيفنا من وجود أناس يفترسون الأطفال، كفيلة بأن تجعل المرور من تحت ذلك “الساباط” (الزقاق الضيق) لوحدي في الليل مغامرة تعني أن كل الأشباح سوف تنام معي في تلك الليلة”.

كرّس التشكيلي السعودي فترة من حياته في محاولة فهم أبعاد اللون وماهيته ودلالاته، وغامر بأعمال فنية كثيرة لم يكن الهدف منها إنتاج لوحة فنية بقدر ما هو إزاحة تلك الضبابية التي تحجبه عن فهم أسرار اللون وخباياه، فقد تعلم في البيت والمدرسة أن للون مظهرا ورونقا، الأمر الذي جعله يدرك لاحقا أن اللون أيضا له حركة وروح وعنفوان وخمول وأشياء كثيرة لازال الفنان يحاول الوصول إليها، وهي أحد الهواجس التي أرقت الوايل في لوحاته الأخيرة التي حاول أن يتخاصم فيها مع اللون وأثيره، فقد كان يغمسه في الرماد حتى لا يخدعه بمظهره البراق عندما ينسكب من الأنبوب.

سعيد الوايل: شكل الإرث التاريخي للأحساء مصدرا أساسيا من مصادر تكوين ذائقتي الفنية

ويقول الوايل “شكل الإرث التاريخي والفني للأحساء ومنطقة الخليج بشكل عام هاجسا كبيرا ومصدرا أساسيا وقويا من مصادر تكوين ذائقتي الفنية، فالجانب الفني في ذلك الإرث كانت تمتزج بسماته ومظاهره الفنية عدة نواح اجتماعية ودينية، وتنعكس فيه مظاهر الطبيعة والكون وطقوس الحياة بمراحلها المختلفة، وهو امتداد للتاريخ والممارسات الإنسانية الصادقة في الفن، قبل أن تحدث الانعطافة الكبيرة التي بدأ الإنسان فيها يتصّنع عوالمه الفنية”.

وكان هاجس الوايل الأول في موضوعاته الفنية هو الانسان، في حالة الفرح والحزن والحب والخوف، فقد كرّس في تجربته مفهوم اللوحة التعبيرية المثقلة بالتخيلات والتصورات التي تستوحي مواقف إنسانية وفضاءات فنية غير مسبوقة، تستند إلى التراث، لكنها لا تحاكيه وتعطي للإنسان قيمة أكبر من أي شيء آخر.

يقول الوايل في هذا الخصوص “هذا ما حاولت التعبير عنه في الأعمال التجهيزية التي استخدمت فيها مواد مختلفة من البيئة المحلية، كان أبرزها لوحة كبيرة تسبح بأكملها في الماء مع “الحراسين”، وهي أسماك صغيرة، بعنوان “عين أم خريسان” وهي من أشهر عيون الماء في الأحساء، حيث كانت تقع بجوار سور مدينة الهفوف، يقصدها الناس يوميا لغسل همومهم قبل أبدانهم رجالا ونساء في القسم الخاص بهم، يتبادلون فيها الأحاديث ويتسامرون ويغسلون ملابسهم، وتفد إليها مواكب الأفراح في الأعياد والزيجات”.

ويذكر أن الفنان سعيد الوايل، فنان متفرغ من مواليد الأحساء 1966، وهو باحث في الفنون والزخارف والنقوش الإسلامية، وعضو في العديد من الجهات الفنية والتراثية داخل المملكة وخارجها، شارك في العديد من المعارض الفنية المحلية والدولية في الرسم والتصوير.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر