السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

دمية الملجأ

الفنانة تُحضر إلى مسرح لوحاتها شخوصها الحقيقيين بأحجام دمى، تجعلهم يمثلون شتى أنواع المفارقات أو الأوبئة التي تفتك بالمجتمع.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/09/30، العدد: 10410، ص(17)]

أثناء تجوالي في معرض الفنانة الكويتية/السورية شروق أمين، المعروفة بتناولها لقضايا المجتمعات العربية الشائكة، لا سيما قضايا المرأة وحقوق الطفل، سمعتها تزود أحد الصحافيين بمعلومات مُفصلة وشيّقة عن أعمالها، لكن لدى سؤالها عن “ماهية” الدمية الصغيرة الموجودة في معظم اللوحات، أجابت الفنانة باقتضاب تلته لحظات من الصمت “إنها مجرد هيئة تُكررها في اللوحات”.

ومع ذلك، فكل من ينظر إلى هذه “الهيئة المتكررة” سيدرك حتما أنها ليست بهيئة عادية وتلعب دورا أساسيا في مضامين اللوحات وفي بنائها التشكيلي الواقعي/الغرائبي.

أما بالنسبة إلي فكان لهذا “الموتيف” أهمية مُضاعفة، لأنه أعادني بمظهره الخارجي وبمعانيه إلى “شوكو-موكو”، وشوكو-موكو هذا هو اسم لدمية من قماش أهداني إياها خالي عبدالقادر عندما كنت في الثامنة من عمري، ثم سافر إلى ألمانيا ولم يعد بعدها إلى لبنان.

أطلقت على هذه الدمية اسم شوكو-موكو نظرا لبشرته الغامقة التي تشبه الشوكولاتة، كانت له عينان واسعتان ولامعتان وشفاه غليظة بلون أحمر فاقع. مع مرور الزمن أصبحت له أهمية كبرى اعترف بها جميع أهل المنزل لا سيما بعدما أجرى عليه والداي “عملية جراحية” ناجحة على يده ورجله بعد تعرضهما للتلف مع مرور السنوات.

غالبا ما كنت آخذه معي إلى الملجأ خلال ليالي القصف، كنت أخفيه في كيس حتى لا يراه الجيران ويسخرون مني، وكنت قد تجاوزت سن الثالثة عشرة آنذاك.

لم يكن شوكو-موكو كأي دمية حصلت عليها على الإطلاق، وكنت أصطحبه معي إلى عتمة الملجأ الرطب ليس خوفا عليه، ولكن لرغبة في أن ترافقني نظرته الشديدة المائعة والمُحايدة وغير المتأثرة بما يحدث في عالم الواقع.

كذلك ربما، تُحضر الفنانة شروق أمين إلى لوحاتها الأخيرة دمية تشبه إلى حد كبير شوكو-موكو من حيث نظرته وشكله، و”حياديته” المُلتبسة، بالرغم من الحيز الصغير الذي تشغله، فإن حضور هذه الدمية هو امتداد أو انعكاس كبير لما يجري في لوحاتها، فهي إما تأخذ دور الشاهد الصامت على مضض والمُمتص لللأجواء المُلبدة في جميع اللوحات، وإما هي قرينة لضحايا المجتمع، وهم معظمهم فتيات لم يتخطين الثانية عشرة من أعمارهن وتم تزويجهن من رجال ناضجين.

كما تحضر هذه الدمية وسط الخرائب المدينية التي تقصد بها الفنانة خراب المجتمع العربي، بسبب ازدواجية المعايير ومظاهر النفاق والثراء الفاحش وغيرها من الآفات الاجتماعية والبيئية.

ثمة لوحة واحدة، تصدح بمعظم ما تحاربه الفنانة وتود أن تغيّره في مجتمعها العربي من خلال فنها، إنها اللوحة التي تصور حلبة السيارات المُسيرة في مدينة ملاهي شبه مدمرة، ينمو على أرضها العشب الضار، ويغلب عليها اللون البنفسجي الداكن الذي يحيل المُشاهد فورا إلى أجواء السحر الشرير. الساحة مُقفرة ليس فيها أحد إلاّ ثلاث دمى متماثلة تجلس في سيارتين متصلتين بحبال كهربائية تسيرها فقط “خياليا”، إذ تبدو جاثمة في أرضها، لا فرح باللعب يبدو على ملامح الدمى، بل حزن اعتاد ألّا يكون غير ذلك. يتوسط الحلبة رجل في بدلة رسمية وسوداء اللون وهو يدفع بيد “عروسه” الطفلة بعيدا عن ساحة اللعب، يظهر من وضعية جسد الطفلة أنها تفضل البقاء في عالم اللعب، وإن كانت ألوانه قاتمة وفيه صمت موحش على أن ترافق مُخرجها منه عنوة.

تُحضر الفنانة إلى مسرح لوحاتها شخوصها الحقيقيين بأحجام دمى، تجعلهم يمثلون شتى أنواع المفارقات أو الأوبئة التي تفتك بالمجتمع، غير أن أكثر لوحاتها تعبيرية هي تلك اللوحات المُحتدمة بالحقائق المؤلمة التي لم تغفل الفنانة عن شق باب خفيّ في جدرانها (جدران اللوحة) بإصبع طبشور سحريّ، لتدخل عبره الدمى ذات الوجوه المؤثرة بخطى قلقة، ولكن دامغة، “تماما كما اعتدت أن أتيح لشوكو-موكو المجال لكي يرافقني في دخولي إلى أسوأ ليالي الطفولة وأحلكها”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر