الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

هل تنصلت الثقافة العربية من العصر الرقمي

  • تراجعت اللغة العربية مع التقهقر الشامل الذي ضرب شعوبها طيلة قرون، لتصبح لغة غير منتجة ومتجددة خاصة في المجال العلمي والفكري رغم المحاولات العديدة لإلحاقها بركب اللغات التي ما انفكت تتطور بشكل دائم، وهو ما يدعو إلى وقفة واعية لتحسين أداء هذه اللغة ومن خلالها تحسين البيئة الثقافية والفكرية وحتى العلمية لمتكلميها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/09/30، العدد: 10410، ص(15)]

الكتب الرقمية

ليس كافيا القول المتكرّر بأن الثقافة العربية تواجه العديد من التحدّيات حيث تحفل ديباجات البيانات الإعلامية بقصص تلك التحديّات ولا يكاد عقد من السنين يمر من دون الحديث عن تحدّيات جديدة تواجه الثقافة العربية ناهيك عن نتائج المؤتمرات الثقافية العربية على قلتها التي يلاحقها مصطلح التحديات.

لكن اللافت للنظر هو السكوت عن تحديات العصر الرقمي، فمن الممكن مثلا الحديث عن التحدي الذي يمثله الكيان الصهيوني كمفردة دائمة في البيانات، ومن الممكن أيضا أن يتم الحديث عن أهمية الحفاظ على اللغة العربية وتكريس يوم خاص للاحتفال بها، لكن الحديث عن العلاقة بين اللغة العربية والعالم الرقمي قليلا ما نسمع عنه، وهو ما يستدعي طرح سؤال هل بمستطاع اللغة العربية أن تتكيف مع لغة الأصفار والآحاد؟ وعند النظر إلى اللغة الإنكليزية كونها اللغة العالمية الأولى خاصة وقد زادتها الشبكة العالمية الإنترنت منزلة رفيعة، سنجد منظومات مليارية من الخوارزميات المتشابكة والتي هي قوام العصر الرقمي أساسها اللغة الإنكليزية، وهي التي سادت بينما تقهقرت اللغة العربية بعيدا بمسافات شاسعة مع أنها من بين خمس لغات أساسية معتمدة لدى الأمم المتحدة.

ويبدو أن إعداد اللغة العربية لمواجهة العصر الرقمي، باعتبارها المقوم الأساسي للثقافة العربية، هو أكبر تحد اليوم، فالعربية شبه معزولة في الشبكة العنكبوتية مقارنة مع اللغة الفرنسية أو الأسبانية والدليل على ذلك ما تقدّمه محركات البحث من نتائج.

وعلى صعيد شمولية الثقافة العربية، فقد فرض النشر الإلكتروني( الكتاب الرقمي) اليوم نفسه كبديل للكتاب الورقي، خاصة وأن سهولة التداول والثمن المتدني يشجعان القراء أكثر على اقتنائه، ويوما بعد آخر يعتمد النشر الإلكتروني بديلا، ولكن في المقابل سيشكل ذلك ضربة قاسية للاستثمار في طباعة ونشر الكتاب الورقي، وبالتالي سيؤدي إلى خسارات هائلة ستضرب قطاع النشر في العالم العربي.

وفي المقابل يواجه الكتاب العربي هجوما وقرصنة تضران به من خلال تداول النسخ الرقمية لأمهات الكتاب العربية، كما أن جُلّ ما ينشر ورقيا تجده رهن إشارتك بالمجان على مواقع الإنترنت، ومثل هذا السلوك الذي يخترق حقوق الملكية يُعَدّ جريمة أو جنحة يعاقب عليها القانون في الغرب ولهذا لا تجد الكتاب متداولا بهذه الطريقة إلا بعد أن تأذن دار النشر والمؤلف ويكون لهما أسبابهما للموافقة على ذلك، وإلا سيكون القانون هو الحكم في مثل تلك الخروقات.

ومن جهة أخرى وإذا غادرنا منطقة التفاصيل المفضية إلى التحديات التي تواجه الثقافة العربية سنأتي إلى جيل بأكمله من المفترض أن يعلم شيئا عن ثقافته الأم، لكنه جيل تغلغل في العصر الرقمي على طريقته الخاصة، وشق لنفسه مسارات اكتشاف أدّت إلى منظومة شكّلت نفسها بنفسها، ولنا أن ننظر إلى ألعاب الفيديو التي تستثمر فيها شركات كبرى أموالا ضخمة، وقد تحولت إلى مفردة أساسية يومية لجيل بأكمله مدمن على تلك الألعاب ومنقطع عمّا يحيط به وغارق في ذلك العالم الافتراضي.

ولن يتسع الحديث عن جيل غارق في هذه المتاهة عن ثقافة عربية بإمكانها أن تتكيّف مع العصر الرقمي، وأقصى ما نخشاه هو أن تكون المعركة قد حُسمت في غير صالح الثقافة العربية في هذا العصر الرقمي الجارف، من خلال تبني الأجيال الجديدة بديلا رقميا أكثر فاعلية وتشويقا استطاع التسلّل إلى كل بيت بينما بقيت الثقافة العربية أسيرة كليشيهات، أي أنها ظلت ثقافة نخبة وكتاباتها كتابات النخبة للنخبة مما جعلها منعزلة عن المدّ الرقمي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر