الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

المغرب.. انتخابات الحسم

تسعى الدولة إلى أن توجه رسالة إلى مختلف الأطراف السياسية مفادها أن المحطة الانتخابية الحالية تعد تأكيدا على الاختيارات الكبرى التي كرسها الدستور الجديد الذي أجري حوله استفتاء شعبي قبل خمس سنوات.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/10/01، العدد: 10411، ص(8)]

تكتسي الانتخابات التي سيشهدها المغرب في السابع من شهر أكتوبر طابعا خاصا يميزها عن المحطات الانتخابية السابقة، وذلك على أكثر من صعيد. فلأول مرة سمحت الدولة للتيارات المنادية بمقاطعة العملية الانتخابية بالظهور العلني أثناء الحملة، ممثلة في حزب النهج الديمقراطي، وهو حزب يساري راديكالي صغير، حيث ظهر أعضاؤه في البعض من شوارع المملكة يوزعون بيانات داعية إلى مقاطعة الاقتراع، كما أن جماعة العدل والإحسان ـ المعروفة بموقفها التقليدي الرافض للمشاركة ـ تقود حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لدعوة المواطنين إلى عدم التصويت.

ويظهر أن الدولة تريد أن تمنح لهذه الانتخـابات مسحة أكثر ديمقراطية وانفتاحا، رغم البعض من الانتقادات المتبادلة بين مختلف الأحزاب السياسية بشأن سـلامة الحملة الانتخابية، أو الاتهامات الضمنية التي توجه إلى وزارة الداخلية. ذلك أن هذه الانتخابات تأتي في سياق محاولة الدولة تدشين مسار سياسي طبيعي، بعد الانتخابات التي أجريت عام 2011 في ظل وضع داخلي وإقليمي وعربي تميز بالاحتجاجات على خلفية ما دعي بالربيع العربي، ولذلك تسعى إلى أن توجه رسالة إلى مختلف الأطراف السياسية مفادها أن المحطة الانتخابية الحالية تعد تأكيدا على الاختيارات الكبرى التي كرسها الدستور الجديد الـذي أجري حوله استفتاء شعبي قبل خمس سنوات. وتشهد الانتخابات الحالية سباقا محموما بين الحزبين الرئيسيين في البلاد، حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي الذي قاد الولاية الحكومية لمدة خمس سنوات، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي يمثل التوجه الحداثي والذي يسعى إلى أن يشكل القطب الرئيسي في مواجهة الإسلاميين أو المحافظين.

وفي الوقت الذي اختار فيه حزب العدالة والتنمية أسماء جديدة في لوائحه الانتخابية، وقام بتقديم البعض من رموزه المعروفين في دوائر غير تلك التي فازوا فيها خلال الانتخابات الماضية، سعيا إلى الحيلولة دون حصول مفاجآت بسبب سلبيات قيادته للحكومة، ولإبعاد احتمالات الفشل بالنسبة إلى البعض من رموزه، فقد اختار حزب الأصالة والمعاصرة مرشحين من الشباب أو الأعيان ذوي التأثير الاجتماعي أو من طبقة رجال الأعمال المثرين، مثل أسرة الشعبي، حيث قدم مرشحيْن منها، الأول في مدينة القنيطرة شمال غرب المملكة، والثاني في مدينة الصويرة وسط المغرب.

بيد أن الملاحظ في الانتخابات الحالية خلوّ الخطاب السياسي للأحزاب المتنافسة من بعض العبارات التي كانت إلى وقت قريب جزءا من المعجم السياسي الدارج، نظير عبارة “التحكم” التي اعتاد حزب العدالة والتنمية التلويح بها في وجه خصومه، خصوصا حزب الأصالة والمعاصرة، في إشارة إلى الدولة العميقة أو أحيانا إلى وزارة الداخلية نفسها، دون تعيين. فقبل أسبوعين، وعقب تصريحات لوزير السكنى الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية اتهم فيها مستشار الملك، فؤاد عالي الهمة، بالوقوف وراء تأسيس الحزب المشار إليه، أصدر الديوان الملكي بلاغا يعرب فيه عن استياء القصر من توظيف أسماء مستشاري الملك في صراعات سياسية بين الأحزاب، واستعمال مفاهيم “تسيء إلى سمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات”، كما ورد في البلاغ المذكور، وهو ما ضمن للحملة الانتخابية أن تجري بعيدا عن التنابز بالعبارات التي كانت أمرا عاديا في الفترة السابقة.

وتعد هذه الانتخابات محطة حاسمة بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية من جانبين؛ فهي من ناحية اختبار لتجربته الحكومية أمام الناخبين لإقناعهم بحصيلته طيلة السنوات الخمس الماضية، وهي من ناحية أخرى محك له أمام خصومه السياسيين، لتأكيد استمرار شعبيته رغم ما لحق تدبيره للعمل الحكومي من نقائص. ويرتكز الحزب على خطاب انتخابي يقول بأن قيادته للحكومة جاءت في ظروف صعبة بالنسبة إلى البلاد، وبأن عدم الوفاء بالتزاماته أمام المواطنين، والقرارات غير الاجتماعية التي اختارها يعودان إلى الوضعية التي وجد عليها الوضع العام في البلاد، مما دفعه إلى اتخاذ تلك القرارات بهدف استعادة التوازنات، وبأنه أنقذ المغرب من السقوط في الفتنة، وانطلاقا من ذلك يدعو إلى تمكينه من ولاية جديدة لمواصلة الإصلاحات.

لكن خطاب المعارضة، التي تنظر إلى هذه الانتخابات كمحطة للحسم، يهاجم الحزب بسبب فشله في ملفات حساسة مثل التشغيل والتعليم والصحة، ونهج أسلوب إقصائي في حق المكونات السياسية الأخرى داخل الحكومة والانفراد بالقرارات ودعم الوزارات التي يتولاها أشخاص ينتمون إليه. كما تقول المعارضة بأن الإصلاحات التي تعلن الحكومة أنها أنجزتها خلال ولايتها فيها جانب له علاقة بالأوراش الملكية، وهي أوراش لا تعني الحكومة بشكل مباشر، لكن هذه الأخيرة تحاول استثمارها سياسيا لفائدتها، مثل إصلاح مؤسسة القضاء، وفيها جانب آخر له علاقة بالإصلاحات التي كانت الحكومة السابقة قد شرعت فيها وفتحت حولها نقاشا لكنها لم تستكمل، مثل ملف التقاعد على سبيل الذكر. كما أن هناك انتقادات تنصب على الأداء الحكومي بشكل عام، بسبب تعثر التحالف وغياب الانسجام بين مكونات الحكومة، واعتماد رئيس الحكومة وحزبه خطاب المظلومية، والعجز عن محاربة الفساد التي كانت الشعار الرئيسي الذي رفعته الحكومة عام 2011، وفشل الحوار مع النقابات، وعدم فتح حوار مع المنظمات الحقوقية حول جملة من الملفات، وكذلك المنظمات النسائية.

كاتب من المغرب

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر